الأصالة والمعاصرة

Posted 5 فبراير 2010 by gauches
Categories: رأي

Tags:

الأصالة والمعاصرة” سرقة للتاريخ وسطو على الحاضر من أجل مصادرة المستقبل… !!!

محمد الحنفي

محمد الحنفي

محمد الحنفي sihanafi@gmail.com

غالبا ما كنا نجد في هذه المجلة، أو تلك، أو لهذا الكتاب، أو ذاك، عنوانا يحمل اسم: “الأصالة والمعاصرة”، يكون مغريا للقراءة، من أجل الوقوف على مضمونه الذي غالبا ما يكتسي بعد فلسفيا، أو فكريا، أو حضاريا، أو واقعيا في نفس الوقت. وغالبا ما كنا نجد أن الفلاسفة، أو المفكرين، عندما يستعملون مفهوم “الأصالة”، إنما يعنون به ما راكمته البشرية عبر تاريخها في مجال معين، أو في مجالات مختلفة، بما فيها المجال الفلسفي، والفكري، المنتج لقيم الماضي في الحاضر، من أجل التحكم في المستقبل. وغالبا ما نجد، كذلك، أن مصطلح المعاصرة، كان يستهدف المنتوج البشري الجديد، في مختلف المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وخاصة في المجال الفلسفي، والفكري، والحضاري. وغالبا ما كان يحضر عند الكتاب من الفلاسفة، والمفكرين، وهم يتعاملون مع مصطلحي الأصالة، والمعاصرة، رصد العلاقة بينهما، التي غالبا ما تكون علاقة جدلية، من خلال شخصية الإنسان الاجتماعية، المتأثرة بالماضي، والمتفاعلة مع الحاضر، والمحكومة بما يجب أن يكون عليه المستقبل.

حزب الطليعة الدبمقراطي الاشتراكي

غير أن مخلوقات بشرية أمطرت بها سماء المؤسسة المخزنية، بكل حيلها المعروفة، وغير المعروفة، أبت إلا أن تستغل مصطلحي “الأصالة، والمعاصرة” في المجال السياسي، لتدعي أنها تملك من القدرة ما تم ابتداعه في الماضي، وفي الحاضر، وما يمكن أن يتم ابتداعه في المستقبل. فهذه المخلوقات المخزنية، والممخزنة، ومعها التي تذل نفسها، من أجل أن تتمخزن، مقدمة في سبيل ذلك كرامتها، لجأت مؤخرا إلى صنع كيان مخزني / سياسي، يحمل اسم “الأصالة والمعاصرة”. وهذا الكيان الذي تشكل من منظور رجعي متخلف، يحمل مصطلحي “الأصالة والمعاصرة” منظورا رجعيا متخلفا؛ لأنه يجردهما من الامتداد التقدمي، والديمقراطي، خاصة، وأنهم لا يأخذون من أصالة التاريخ إلا الجانب الرجعي، ولا يأخذون، كذلك، من الحاضر إلا الجانب الرجعي، ولا يسعون إلا إلى تحقيق ما يخدم مصلحة الرجعية، والرجعيين، ما دامت الإمكانيات المادية، والمعنوية للمال العام تصب في حساباتهم، وما دامت الأجهزة الإدارية / المخزنية / السلطوية، والجماعية توظف لصالحهم، ودون حياء من الشعب المغربي، الذي رصد، ويرصد ممارسات كل اللا ديمقراطيين، الذين تجمعوا في حركة سموها ظلما: “حركة لكل الديمقراطيين”، التي خرجت من رحم الإدارة المخزنية، من أجل أن تتحرك في “جهات” الوطن، لتحمل، وتلد هذا الكيان المخزني / السياسي، الذي انحلت في بوثقته الكيانات الإدارية الرجعية المتخلفة، حتى يصير امتدادا تاريخيا للأصالة ،إلى جانب الملتحقين بها من التكنوقراط، وغيرهم، ممن استفادوا جيدا من خدمة الإدارة المخزنية، تعبيرا عن المعاصرة، من أجل أن يعمل الجميع على جعل مستقبل البلاد، والعباد، رهينا بإرادتهم. فالكيان المخزني / السياسي، الموسوم بـ “الأصالة والمعاصرة”، هو كيان سعى، ويسعى، وسيسعى إلى:

 أولا: سرقة التاريخ، حتى لا يستحضر الناس منه، ومن خلال هذا الكيان، إلا الجوانب المظلمة منه، بهدف طمس كل الجوانب الفلسفية، والفكرية، والنضالية المضيئة.

ثانيا: السطو على الحاضر، من أجل الظهور بمظهر المجدد، والمحدث لكل جوانب الحياة، وبنفس الأدوات المخزنية، التي تعيد إنتاج نفس الممارسات، التي عرفتها الستينيات، والسبعينيات، والثمانينيات من القرن العشرين.

ثالثا: مصادرة المستقبل، الذي سوف يصير في خدمة الطبقة الحاكمة، بدل أن يصير في خدمة الشعب المغربي. وبهذه السرقة، وهذا السطو، وهذه المصادرة، سوف تصير “الأصالة والمعاصرة” قوة مخزنيه ضاربة، ومحتكرة لكل شيء في الحياة السياسية، كما احتكرت كل شيء في الحياة الاقتصادية، لا يمكن مواجهتها إلا بقوة يسارية، وديمقراطية، تسعى إلى قيادة الشعب المغربي، وطليعته الطبقة العاملة، في أفق تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفي إطار دستور ديمقراطي، يضمن سيادة الشعب على نفسه. فهل يدرك الشعب المغربي خطورة كيان “الأصالة والمعاصرة” على مستقبله؟ وهل يلتف حول قواه الحية: اليسارية، والديمقراطية، من أجل مواجهة المخططات المخزنية، التي يعمل على تنفيذها كيان الأصالة، والمعاصرة؟ وهل تقوم القوى اليسارية، والديمقراطية، بمراجعة نفسها، وبناء تنظيماتها، وتقوية تنظيمها المشترك، من أجل مواجهة همجية كيان “الأصالة والمعاصرة”، التي ليست إلا همجية الأجهزة الإدارية المخزنية، التي أشرفت على ولادة هذا الكيان من رحم “حركة لكل الديمقراطيين”، كاستجابة لهمجية النظام الرأسمالي المعولم؟ وهل يمكن اعتبار معركة الانتخابات الجماعية القادمة مناسبة للمواجهة الشرسة بين كيان “الأصالة والمعاصرة” المدعوم من قبل الأجهزة الإدارية المخزنية، ومن قبل اللوبي المالي الناهب لثروات الشعب المغربي، وبين الحركة اليسارية، والديمقراطية، وجميع القوى الحية المدعومة من قبل الشعب المغربي، الذي يعاني من الاستعباد، والاستبداد، والاستغلال؟ وهل سيعيش الشعب المغربي تجربة أخرى تشبه تجربة كديرة، وتجربة عصمان، وتجربة المعطي بوعبيد، التي خرجت جميعها من رحم الإدارة المخزنية؟ أم أن الإدارة المخزنية ستحرص فعلا على الالتزام بمبدأ الحياد، وستطبق القانون في حق كل من يعمل على اهدار كرامة الشعب المغربي بالممارسات التي تعودنا عليها من قبل الكيانات المخزنية / السياسية، التي تصنعها الإدارة المخزنية؟

“من ديوان السياسة”لعبد الله العروي

Posted 19 يناير 2010 by gauches
Categories: "من ديون السياسة" لعبد الله العروي, قراءة في كتاب

Tags:

قراءة في كتاب “من ديوان السياسة”

 إلى من يوجه عبد الله العروي خطابه؟

الكل يجمع على قيمة وغنى الكتاب الأخير لعبد الله العروي: “من ديوان السياسة” وعلى كثافة ما يحمله من أفكار، وأعتقد شخصيا أن لا محيد لكل من يعتبر نفسه سياسيا أو يمارس السياسة في بلادنا بمفهومها المحترم، إلا أن يطلع عليه ويقف عند مغازيه العميقة. فهو وحده قد يغني لمن فاته ذلك، عن قراءة العديد من أمهات الكتب في هذا الميدان. أمام هذه الكثافة في الأفكار سيقف كل من يحاول قراءة الكتاب أو مناقشته عاجزا بدون شك، عن الإحاطة بكل ما ورد فيه، ولهذا نعترف مسبقا بأن ما نحاول القيام به من خلال هذه الورقة، فيه كثير من المجازفة واحتمالات الخطأ أو عدم الفهم، وعذرنا في ذلك أننا فقط قد نساهم في إثارة النقاش حول الكتاب واستفزاز البعض ربما لكي يدلوا هم أيضا بدلوهم في الموضوع.

1 وقبل التطرق إلى مضمون الكتاب نفسه، لا بأس من عرض بعض ما عرفته عن فكر العروي، حتى تتوضح الزاوية التي من خلالها قد أتناول الموضوع. فعبد الله العروي قد انفتحت أعينه بداية وهو يحاول تلمس طريقه الإيديولوجي والفكري في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، على الصراع الدائر آنذاك بين قادة الحركة الوطنية والقصر حول طبيعة الدولة المغربية لما بعد الاستقلال. وقد احتك بالمهدي بن بركة و ساهم بجانبه في صياغة وثيقة “الاختيار الثوري”، تلك التي لخصت أهم إشكاليات ذلك الصراع. ولأنه كان شاهدا على فشل المشروع البديل للحركة الاتحادية الطامح إلى بناء الدولة العصرية، فإنه وجه جهده بعد ذلك للبحث في الأسباب العميقة لذلك الفشل، فجاءت كتبه الأولى حول تاريخ المغرب وأصول الحركة الوطنية، ثم الإيديولوجية العربية المعاصرة والوعي التاريخي عند العرب … ليربط من خلالها هذا الفشل بالعقلية التقليدية أو التراثية المهيمنة في المحيط العربي أو المغربي، ويؤسس لأطروحته التاريخانية الداعية إلى القطيعة مع هذا التراث، مستلهما في ذلك نموذج ماكس فيبر بالخصوص في تفسير كيفية المرور من الدولة ما قبل الليبرالية إلى الدولة الليبرالية الحديثة في المجتمعات الأوروبية. وفي هذا الإطار جاءت أيضا سلسلة كتبه حول المفاهيم المؤسسة للإيديولوجية الليبرالية كمفهوم الدولة أو العقل أو الأدلوجة … (مع الإشارة إلى أنه لم يخصص أي شيء لمفهوم الديمقراطية ولا لمفهوم الاشتراكية اللذين كانا هما الشعارين الأساسيين في تلك المرحلة بالنسبة لليساريين المغاربة، وهو ما يفسر ربما من بين أشياء أخرى، علاقته التي بقيت دائما مترددة مع حزب الاتحاد الاشتراكي). وبما أن نموذج الانتقال الليبرالي في أوروبا الغربية قد اعتمد في الكثير من التجارب على دور المستبد العادل، كما في نموذج الأمير لميكيافيلي أو نموذج بسمارك في بروسيا الألمانية بالنسبة لهيجل …ألخ، فقد يكون أحد الدوافع التي جعلته يقبل عرض الحسن الثاني لتدريس ولي العهد محمد السادس، لعل ذلك يساهم في إيجاد ملك عادل مغربي، يسهل حين يأتي وقته، عملية الانتقال الليبرالي في بلادنا. لكن ما وقع من تطورات لاحقا في المغرب أو العالم العربي ككل، من صعود للمد الأصولي وتهميش لكل المفاهيم الليبرالية التي نظر لها، لصالح مفاهيم سلفية، وعودة الفقيه بقوة إلى الساحة على حساب المثقف العصري على عكس ما توقعه في كتاب الإيديولوجية العربية المعاصرة، جعله يقف حائرا ويبتعد لمدة زمنية عن التنظير حتى يستوعب ما يحدث. وبالفعل فنحن لم يتسن لنا الالتقاء بالعروي مجددا إلا حين جاء لإلقاء محاضرته المشهورة منذ سنوات قليلة في قاعة سمية بالرباط، ليكشف لنا أن صعود الأصولية ليس في الحقيقة رجوعا إلى الماضي ولا عودة للفقيه التقليدي، وإنما هي الحداثة أو الليبرالية تشق لنفسها طرقا ملتوية بما فيها اختراق هذه الحركات الأصولية نفسها، رغم مظاهرها الرجعية الخارجية. بعد ذلك بمدة جاء كتاب “الإصلاح والسنة”، كمحاولة لتفكيك المنطق السلفي السني ويكشف حدوده أو تناقضه مع متطلبات العصر. أو بعبارة أخرى ليعلن نهاية وإغلاق هذا القوس من الـتأثير الأصولي الذي عرقل لمدة مسيرة التحديث أو اللبرلة في تطور المغرب، ويمهد بذلك للعودة لاستكمال مشروعه الأصلي. في هذا السياق إذن يأتي كتاب “من ديوان السياسة”، كمحاولة منه لإعادة وضع خارطة طريق جديدة لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة.

2 يضم الكتاب مدخلا و13 بابا، موزعة على 70 فصل، يستهل فيها كل فصل بسرد حكاية ممهدة على الطريقة الأنكلوساكسونية، وباستعمال جمل قصيرة في كثير من الأحيان ومصطلحات جديدة من إبداعه الخاص. لكن الكتاب قد يمكن تقسيمه على العموم، إلى خمسة أجزاء:

- في الجزء الأول يعرف بالمنطلقات الأولية للسياسة المتمثلة في النوازع التي يرثها الإنسان عن أصله الحيواني، هاته النوازع التي تتكلف تربية الأم أو التربية الأولى بنقلها إلى الفرد منذ البداية، أو هي ما يمثل الصيغة الأولى للإدماج الاجتماعي من داخل الأسرة والعشيرة. مع التمييز بين الإدماج بناءا على مصلحة وهو ما يمثله تقليديا إطار القبيلة، أو بناءا على قيم ثقافية وهو ما تتكلف به عموما الزاوية والفقهاء.

- في الجزء الثاني يتطرق إلى التربية الاجتماعية النظامية التي تؤهل الفرد لمرحلة الفطام وتجاوز ثقافة الأم. هذه التربية تسمح بالانتقال إلى مجال أرحب أو تفتح أفقا يتجاوز القبيلة والزاوية معا، وهو ما يمثله إطار السلطة السياسية أو الدولة. وعلى هذا المستوى الأخير يقدم العروي خطاطة لتطور أنماط الحكم أو السلط السياسية المعروفة تاريخيا: حكم الفرد وحكم القلة وحكم الجمهور، مع الإشارة إلى أن كل واحد من هذه الأنماط قد يتأرجح ما بين الفضيلة والرذيلة، ما بين العدل والاستبداد. وهذه الأشكال تتعاقب فيما بينها في دورة متكاملة تنتهي لتعود من حيث بدأت. ويبدو هنا أن العروي قد جعل من تجربة أثينا قبل القرن الخامس ما قبل الميلاد، نموذجه المفضل الذي يقيس عليه باقي التجارب الأخرى. لكنه يتساءل مع ذلك، إن كان يمكن كسر هذه الدورة والخروج منها، كما بشرت بذلك الإيديولوجية الاشتراكية منذ القرن التاسع عشر. هذه الأخيرة التي انطلقت من اعتبار أنه ما دامت الثورة الصناعية تعمل على تحرير الفرد اقتصاديا، فذلك يكفي لنقله من حالة الأمية (ثقافة الأم) إلى حالة الفطام أو التهذيب، وفسح المجال إلى إقامة حكم الجمهور حيث تصبح الحاجة إلى الدولة لاغية أصلا، وبالتالي التخلص نهائيا من حكم الفرد أو حكم الأقلية. وذلك على عكس الإيديولوجية الليبرالية التقليدية القائلة بضرورة التنوير أو التهذيب الثقافي، والتي لا يمكن أن تؤدي في آخر المطاف، عبر نظام التمثيلية البرلمانية، إلا إلى إقامة حكم الأقلية البرجوازية. إلا أنه يتكلم عن هذه الفكرة باعتبارها فقط الطوبى الجديدة التي جاءت تعوض ما روج له أفلاطون في “الجمهورية” الفاضلة، والتي لم تكن تدافع في الحقيقة سوى عن حكم الأقلية المتمثلة في جماعة الفلاسفة.

 - في الجزء الثالث ينتقل العروي للتحدث عن النموذج المغربي أو الدولة المخزنية. ويمهد لذلك بالتعرض إلى الدولة الإسلامية التي لا يخرجها عن النموذج العام لتعاقب الدول، حتى وإن حاول أصحابها إخفاء ذلك وراء مصطلحات إسلامية خاصة، و يعرفها بأنها دولة مزيجة أو هي تمثل مرحلة ما بين الدولة الهيليستينية كمزيج من كل الدول السابقة إغريقية أو رومانية أو فارسية … وبين الدولة الأوروبية الحديثة. أما عن دولة المخزن فهي قد تميزت على العموم بالاعتماد على ثلاثة أركان: السلطان والإمام والأمير ، وأنها لم تبق متماثلة مع نفسها طوال الوقت، بل متغيرة من عهد إلى آخر بحسب الأولية التي يعطيها كل سلطان لهذا الركن أو ذاك، فمخزن مولاي سليمان مثلا اعتمد أكثر على الزاوية ووظيفة الإمامة في مقابل اعتماد مخزن مولاي اسماعيل على القبيلة ووظيفة الإمارة.

 - في الجزء الرابع ينتقل العروي إلى الدولة المغربية الحديثة، مشيرا إلى قيام الحماية بالفصل بين مقومات الدولة المخزنية، حيث تركت وظيفة الإمامة للسلطان بينما احتكرت هي سلطة الإمارة، أي كل ما يتعلق بالجيش والإدارة والإقتصاد. غير أن دولة ما بعد الاستقلال، ستعمل على إعادة تجميع كل هذه السلط في يد الملك، أو التوليف بين دولة المخزن القديمة ودولة الحماية الحديثة، وهو ما أنتج وضعا مركبا تتنازع داخله شرعيتان هما ما يعرف بالأصالة والمعاصرة. وهذا ما يوضحه العروي من خلال عرضه للقراءتين المتنافستين للدستور الملكي منذ سنة 1961: القراءة السلفية التي توظف مصطلحات من قبيل البيعة والشرع والشورى … وأخرى توظف المصطلحات الحديثة من قبل التعاقد والقانون والانتخاب ….

- أخيرا في الجزء الخامس وهو الذي يهمنا هنا أكثر، يتحدث العروي عن الآفاق المفتوحة لتجاوز الوضع الراهن. وهو إذ يشير إلى الصراع القائم بين ثقافة الأم والثقافة الحديثة أو ثقافة المواطنة، أو بين الأصالة والمعاصرة، ويقف عند العودة القوية في السنوات الأخيرة لظاهرة البدونة التي ترجع بالمجتمع إلى الثقافة الأولى و تغلب النوازع على العقل، يقترح أن الحل من أجل تطوير المواطنة أو ما يعبر عنه بالفطام، هو في اعتماد سياسة للإصلاح وليس للتغيير الجذري أو الثورة، فننطلق من الدستور الملكي الراهن في محاولة لتغليب القراءة أو التأويل الديمقراطي له على حساب القراءة أو التأويل السلفي. وهو ينصح بأن تكون الجهوية هي المدخل الأفضل لذلك، أي أن يتم البدء في تأسيس المواطنة عبر الإشراك الفعلي للنخب المحلية في تدبير القضايا القريبة منها، على أن يتدرج ذلك حتى الوصول إلى القضايا الوطنية. والعروي يقدم هنا مقترحات ملموسة كأن يعاد النظر مثلا في التقسيم الجهوي الحالي باختزاله إلى عشر جهات فقط بما يجعل التوافق حاصلا بين البعدين التاريخي والسوسيولوجي لكل جهة، أو كأن تتحول الغرفة الثانية إلى المجلس الاستشاري الخاص للملك بدلا عن الدواوين و المجالس الأخرى المتعددة …..ألخ

3 بعد هذا العرض المركز لمضمون الكتاب والذي لا يمكن بأية حال أن يلم بكل غنى الأفكار التي يحملها، نطرح بعض الملاحظات أو التساؤلات الآتية: إن العروي وهو يقترح هذا البرنامج العملي، يبقى وفيا في النهاية للخطاطة التي وضعها حول تطور أنظمة الحكم عبر العصور، أي الانتقال من حكم الفرد إلى حكم الأقلية ومنها إلى حكم الأغلبية أو حكم الجمهور، ثم العودة مجددا من حيث بدأت الدورة. وفي هذا الإطار فهو يضع المغرب حاليا في المحطة الأولى من الدورة أي حكم الفرد، مع الإشارة إلى التأرجح الذي لا يزال يطبع هذا الأخير بين تغليب القهر أو الإقناع، أو بين استعمال التخويف واستعمال الترغيب. ولذلك بحسب هذا المنطق، فإن المهمة التاريخية المطروحة حاليا، هي كيف مساعدة البلاد في الانتقال من حكم الفرد إلى حكم الأقلية، بالتركيز أولا على النخب المحلية، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية أو دور الفاعلين السياسيين بجانب الملك في كل جهة. وهذا يعني ضمنيا أن ما نتكلم عنه من بناء نظام ديمقراطي حقيقي وفصل واضح للسلط وحكم الشعب من طرف نفسه…. هو طرح غير جدي بالنسبة للعروي أو أن شروطه لا زالت بعيدة. أو هو في أحسن الأحوال سيعتبر ذلك من باب الطوبى ووسيلة للتعبئة لا غير. أي أن العروي لا يؤمن هنا بسياسة حرق المراحل ولا بتحقيق القطائع، فالدورة السياسية الثلاثية هي أقوى من أن تتجاوزها الإرادات الذاتية للفاعلين السياسيين. إن العروي وانطلاقا من تجارب الشعوب السابقة، قد ينظر إلى تطور التاريخ وكأنه تطور دائري يبدأ دائما من حيث ينتهي، بحيث حتى ولو افترضنا مثلا أن الديمقراطية أو حكم الجمهور قد يتحقق يوما، فسيبقى هناك احتمال كبير لأن تعم الفوضى بعده، أو ما يعبر عنه بخطر الديماغوجية، وبالتالي يعود حكم المستبد من جديد. فالثورة العمالية البلشفية مثلا في روسيا، قد أنتجت في النهاية حكم الاستبداد مع ستالين، والثورة الفرنسية أعطت الحكم الفردي مع نابوليون … وأن أحسن ما أنتجه التاريخ لحد الآن، وبعد عملية تهذيب وتثقيف طويلة المدى هو ما نعرفه بالنموذج الديمقراطي الغربي، الذي ليس في نظر العروي أكثر من حكم أقلية من الملاكين الرأسماليين، لا يختلف كثيرا في العمق عن حكم الأقلية الأرستقراطية في اسبرطة القديمة. وكأن العروي يريد أن ينبهنا هنا، أن ما نجري وراءه كديمقراطيين، من ديمقراطية حقيقية وحكم الشعب نفسه بنفسه، يبقى مجرد وهم أو سراب قد نقترب منه أحيانا لكننا لن ندركه أبدا. كل ما نستطيع أن نحققه في الواقع، هذا إذا ما نجحنا في مهمتنا، هو توسيع دائرة المشاركة السياسية ونقل البلاد من حكم الفرد إلى حكم الأقلية، أما أن نصل إلى حكم الشعب أو الجمهور فذلك من باب المستحيلات بمنطق العروي. لكن حتى إذا قبلنا بمسايرة العروي في منطقه هذا، ما الذي يمكن لنا أن نفعله أو ما العمل؟ الجواب هو تغليب ما سماه بالتأويل الديمقراطي للدستور الملكي على حساب التأويل السلفي. ولكن لمن يمكن أن توكل هذه المهمة؟ ربما الذي في ذهن العروي هي تلك النخبة أو النخب المهمشة حاليا، والطامحة لأن تلتحق بدائرة القرار السياسي بجانب الملك. فهذا ما نجحت فيه نخبة الحركة الوطنية سابقا، وهو ما بقيت بعض النخب اللاحقة تناضل من أجله بعد الاستقلال بدون جدوى، باسم شعارات الديمقراطية تارة وشعارات الاشتراكية تارة أخرى، وحتى باسم الشعارات الإسلامية في مرحلة ثالثة. ولكن أليس من المفروض حتى تنجح هذه النخب في مهمتها وتفرض على الملك أن يتقاسم معها بعض السلط، أن تعبأ حولها أكثر ما يمكن من فئات الشعب؟ وفي هذه الحالة، حول ماذا ستعبئ، أو ما هو برنامجها أو الشعارات التي يمكن أن تقنع بها هذه الفئات؟ هل ستدعوها فقط إلى الالتفاف حول مطلب تغليب التأويل الديمقراطي بما سيسمح بتوسيع دائرة المشاركة السياسية؟ و لكن من يمكن أن يستفيد من ذلك التوسيع غير النخبة نفسها؟ ماذا ستجنيه باقي الفئات الشعبية من ذلك؟ أو بعبارة أوضح، كيف يمكن للنخية الديمقراطية أن تقنع فئات واسعة من الشعب بالالتفاف حول مطلب هي تعرف أن المستفيد الوحيد منه هي تلك النخبة لوحدها؟ هذا ما لا تجيب عنه أطروحة العروي، لسبب بسيط هو أن التعبئة الجماهيرية تفترض وجود طوبى معبئة، والعروي لا يقترح علينا أية طوبى. وكأن العروي ينحاز هنا إلى واقعية أرسطو في مواجهة جمهورية أفلاطون المثالية، وإلى دروس ابن خلدون الجافة في مقابل مدينة الفارابي الفاضلة، أو إلى واقعية أمير ماكيافيلي البغيضة في وجه حلم روسو حول العقد الاجتماعي … والخلاصة، ماذا قد يستفيد المناضلون الديمقراطيون واليساريون من هذه الأطروحة (من غير فائدتها العلمية بالطبع) في صياغة مشروعهم النضالي؟ أو بتعبير آخر لمن يوجه العروي خطابه هذا؟ أليس المخاطب الأساسي هنا هو الأمير أو الملك نفسه قبل الديمقراطيين؟ ألا يدخل هذا في أخر الأمر في إطار ما يعرف بالنصائح السلطانية التي كان العلماء والفقهاء يسدونها للسلاطين والملوك، أو أليس هذا هو نفسه المشروع الأصلي للعروي الذي بقي يشتغل عليه منذ نهاية الستينات بغرض المساعدة في إفراز المستبد العادل على الطريقة المغربية؟ لكن إذا كان الملك هو مخاطبه فعلا، ألا يكون قد أخطأ الهدف؟ لأنه متى كان السلاطين يقبلون العمل بالنصيحة الموجهة إليهم إن لم يكن هناك من مبرر جدي يدفعهم لذلك، أي أن يكونوا مضطرين لذلك بسبب تهديد أو ضغط سواء خارجي أو داخلي؟ من الذي سيرغم الملك محمد السادس على العمل بنصيحة العروي وتغليب الـتأويل الديمقراطي على حساب التأويل السلفي؟ هل هناك فعلا من ضغط خارجي أو داخلي؟ وإذا استثنينا ربما الضغط الخارجي بسبب قضية الصحراء، هل يوجد أي ضغط داخلي يجعله يوسع من الدائرة الضيقة المحيطة به بإشراك نخب أخرى في صنع القرار السياسي بجانبه؟ هل توجد أدنى معارضة ديمقراطية جدية في البلاد حتى تدفعه إلى ذلك؟ وكيف يمكن أن توجد معارضة ديمقراطية حقيقية وهي فاقدة الآن لأي طوبى معبئة؟ إنه المأزق الذي تكشف عنه أطروحة العروي هذه: كيف يمكن بناء الديمقراطية في غياب الديمقراطيين وكيف يمكن أن يوجد ديمقراطيون في غياب الطوبى المعبئة؟

4 لقد سبق وأن كتبنا مقالا من قبل تحت عنوان “ماذا بعد العروي؟” اعتبرنا فيه أن هذا الأخير قد استنفذ دوره بالنسبة إلينا كيساريين أو ديمقراطيين بشكل عام، وأننا اصبحنا في حاجة لمنظر بديل من عيار العروي نفسه ليقترح علينا أفقا للمستقبل. وهذا ما ازددنا اقتناعا به أكثر بعد قراءة كتاب “من ديوان السياسة”. فقد تنفع قراءة العروي في فهم التاريخ والاستفادة من دروسه، ولكن ذلك لا يكفي لآن يفتح أفقا جديدا ، لأن الحديث عن أفق هو حديث عن مشروع للمستقبل وعن الطوبى، والتاريخ قبل أن يسجله المؤرخون ويقرأه المحللون إنما يصنعه أولا الطوباويون والحالمون. أعتقد أن الذي يمنع العروي من الانفتاح أكثر على المستقبل وعلى الطوبى، وهذه ليست مشكلته وحده وإنما مشكلة كل مفكر مهما كانت قيمته، هو الآستمرار في الارتباط بمرجعية فكرية أو باراديغم يكون الفرد قد تلقنه في بداية مشواره الفكري، ويصعب عليه بعد ذلك الانعتاق منه. وباراديغم العروي هو ما سبق أن صاغه ماكس فيبر ومعه مفكرو القرن التاسع عشر، حول نموذج التحول الليبرالي في المجتمعات الأوروبية آنذاك. من خاصيات ذلك الباراديغم، أنه حصر متابعة التحول الليبرالي في الإطار الوطني لكل دولة على حدة، أي بمعزل أو باستقلال عما يحدث خارج هذا الإطار. فما يمكن أن يحدث داخل كل دولة هو شأن داخلي خاص لا علاقة له بالتحولات الخارجية، وإنما نتاج محض للعوامل الداخلية. هذا ما نستنتجه من الطريقة التي يعالج بها العروي إمكانيات الإصلاح الديمقراطي في المغرب، فيتحدث عن ذلك وكأننا نعيش في جزيرة منعزلة لا حق ولا إمكانية للغير أن يتدخل في شؤوننا. ونحن هنا إذ نستلهم من مرجعية فكرية مغايرة أو باراديغم غير باراديغم الإطار الوطني الضيق، هو ما تؤسس له “النظرية العامة للأنظمة المعقدة المتكيفة”، نخلص إلى أن ما لم يهتم به العروي، ولم يدخله لحد الآن في اعتباراته، هو أن العالم قد دخل منذ بداية التوسع الأمبريالي آواخر القرن التاسع عشر، في مرحلة العولمة التي تعني بين ما تعنيه، أن لا استقلالية لأي مجتمع عما يحدث في محيطه أو في النظام العالمي الشامل، وأن لا فرصة بقيت للعوامل الداخلية لأن تشتغل بمعزل عن العالم الخارجي أو أن تقرر بمفردها في مصير أي بلد. فالعولمة إنما تعني أنه بإمكان العامل الخارجي أن يكون حاسما في التطور الداخلي لأي بلد أكثر مما تسمح به الظروف الداخلية أحيانا. و للإشارة فإن العروي قد وظف هذا المعطى نفسه حين حديثه عن دور الحماية في تطوير المخزن المغربي، لكنه يقف عند الاستقلال، ويتعامل مع ذلك وكأنه مجرد قوس انفتح في لحظة معينة من تاريخ المغرب ُثم أغلق بعد ذلك. لهذا فنحن نتساءل: إن كان ما حدث من تطور داخل دولة الحسن الثاني، يمكن تفسيره فقط بالعوامل الداخلية أو على ضوء خطاطة العروي عن الدورة الثلاثية للسلط، أم يجب البحث عن أسبابه في تأثيرات الصراعات الدولية لتلك الفترة والمتمثلة في التنافس الشيوعي الرأسمالي إلى حدود آواخر الثمانينات، ثم في تزايد المد الأصولي على الصعيد العالمي بعد ذلك؟ أو بعبارة أخرى، ألم يكن للأمبريالية الأمريكية التي كان المغرب واقعا تحت نفوذها، دور أساسي في إجهاض أي تحول ديمقراطي بالبلاد في إطار محاصرة المد التحرري والشيوعي عبر العالم؟ ألم يكن الحسن الثاني يستغل فقط ذلك الصراع الدولي الخارجي ليثبت حكمه الفردي ويستأصل كل النخب المعارضة له؟ ثم ألم يكن ذلك التأثير الخارجي نفسه ما حدث منذ التسعينات متمثلا مع تصاعد المد الأصولي، هو ما ساعد مرة أخرى على عزل النخب الديمقراطية في البلاد لصالح النخب السلفية، وجعل الحسن وبعده محمد السادس يلعب على التناقض بينها ليضرب هذا الطرف بذاك؟ بل ألم يكن ما تحدث عنه العروي من عودة قوية لمظاهر البدونة في السنوات الأخيرة، وتباطؤ عملية الفطام أو المواطنة، هو فقط الصيغة التي اختارها الحسن الثاني عبر وزيره ادريس البصري، في إطار محاربته للنخب أعلاه، لتشجيع فئات معينة من أعيان البادية على حساب فئات مدينية أخرى خاصة من أصل فاسي أو سوسي، كانت قد بدأت تخرج من تحت مراقبته؟ أو بعبارة أخرى، ألم يكن ذلك التحول نحو البدونة هو مجرد استغلال لعوامل خارجية وتوظيفها في الصراع الداخلي وليس تطورا طبيعيا أو مستقلا للمجتمع المغربي؟ إن العروي حين يقترح خطاطته أعلاه، وكأنه يعيد فقط إحياء النموذج الخلدوني حول المراحل الثلاث لتطور الدول، حسب دائرة متكررة تبدأ دائما من حيث تنتهي. أي وكأنه يلغي المفهوم التقدمي أو التصاعدي لحركة التاريخ حسب التصور الهيجيلي، وبالتالي لا يعير أي اهتمام لما كتبه ماركس مثلا، عن التمرحل والانتقال من نمط إنتاج إلى آخر أرقى منه. إنه هنا يماثل النموذج المغربي الحالي في القرن الواحد العشرين بنموذج أثينا أو اسبرطة 6 قرون قبل الميلاد. العروي لا يريد أن يعترف أن المرحلة التي نعيشها الآن هي مرحلة عولمة شاملة، وأن المغرب اليوم لا يمكن أن يكون مغرب القرن الماضي، وأن الدورة السياسية حتى وإن تكررت وتماثلت ظاهريا مع بعض المظاهر من المراحل السابقة، فإنها تبقى مختلفة في العمق عن كل ما سبقها. وتجليات هذا الاختلاف هي ملموسة بقوة، سواء نظرنا إلى ذلك من زاوية المقاربة الاقتصادوية الماركسية التقليدية، حيث الاقتصاد المغربي هو الآن جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، وأن رزق المغاربة أكثر ارتباطا بالرأسمال العالمي، أكثر منه برأسمال “وطني” أو محلي مفترض، أو نظرنا لذلك من زاوية مقاربة “ثقافوية” تعطي الأسبقية للعامل الثقافي، حيث لم يعد ممكنا الحديث عن فضاء أو هوية ثقافية محلية مستقلة في ظل الاختراق الذي تمارسه الفضائيات أو الأنترنيت، هذا الأخير الذي فتح أمام الناشئة المغربية آفاقا تتجاوز كل ما يمكن أن يعتبر وطنيا محضا أو مما يحسب على الخصوصية والثوابت. إننا الآن نعيش عصر عولمة كاسحة، اقتصاديا وإعلاميا وثقافيا ، وبالتالي سيصعب على الحقل السياسي في بلادنا أن يبقى بمعزل عن هذه العولمة و محكوما فقط بالعوامل الداخلية الخاصة به. لهذا السبب بالضبط فإننا نعتبر أن ما يقدمه العروي من اقتراحات للإصلاح، أو ما يعبر عنه بتغليب التأويل الديمقراطي للدستور الملكي، يبقى في نظرنا دون مستوى المرحلة الراهنة، وغير كاف للاستجابة لتطلعات أبناء القرن الواحد والعشرين، ولا يمنحهم أية طوبى أو مشروعا تعبويا يقودهم نحو المستقبل. هاته الطوبى التي لا يمكن أن تنزل في نظرنا عن أقل ما أصبح متعارف عليه كونيا في هذا المجال، أي بالنسبة حالة المغرب، عن ملكية برلمانية كاملة الصفات.

حميد باجو

رد على مقال

Posted 5 يناير 2010 by gauches
Categories: مناظرات

لإغناء الحوار اليساري ، ارتأيت أن أتحاور مع مقال علي بندين (في تشخيص المرحلة السياسية)امع كامل الاحترام لوجهة نظره و أتمنى أن يستمر النقاش و يتوسع من أجل وضوح يساري ديمقراطي للمرحلة و لتجاوز اليسار المناضل لأزمة ممارسته السياسية و الاجتماعية.

عبد الغني القباج

                               حوار مع مقال علي بندين :

1- اليسار المغربي يجتاز مرحلة من أصعب مراحله السابقة بالنظر لهجوم سياسي و إيديولوجي من طرف القوى المخزنية و قوى “الليبرالية” المتخلفة و القوى الإسلاموية، سواء داخل الدولة و مؤسساتها و داخل المجتمع و ممارساته الاجتماعية و الثقافية، و الهدف هو محاصرة اليسار و دفع المواطنين و المواطنات لعجم الثقة فيه و من ثمة إفقاد اليسار الثقة في نفسه و في مبادئه و قيمه و إيديولوجيته و راديكاليته السياسية. هذا إضافة للهجوم الإيديولوجي و الاقتصادي و السياسي الذي تشنه قوى العولمة الرأسملية المتوحشة و “اليمقراطية” الليبرالية على اليسار و الاشتراكية، بل و تختلس قيم و إنسانية اليسار “لتبييض” قهرها و تلطيف استغلالها المتوحش للمنتجين الحقيقيين للاستأثار و لاحتكار الثروات.

2-يطرح علي بالدبن أن “الجميع –في الصف التقدمي- بمن فيهم من قادوا التجربة متفقون على أنها لم تؤدي إلى النتيجة الأساسية التي راهنوا عليها ألا وهي تحقيق (أو استكمال) الانتقال الديمقراطي”. و أن بداية المرحلة (1992-2007) تميزت بالتقاء عدد من المتغيرات التي وفرت شروط فرصة سياسية لتحقيق طفرة نوعية في النضال الديمقراطي تؤدي إلى تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية، حيث تبلور لدى القوى الديمقراطية برنامج سياسي موحد تلخص في أولوية الإصلاح السياسي والدستوري  وتأسس تحالف واسع حول هذا البرنامج تمثل في “الكتلة الديمقراطية”

3- أعتقد أن تاسيس الكتلة الديمقراطية، رغم أنها تأسست على برنامج و ميثاق الإصلاحات السياسية و الدستورية، لم تحمل مشروع انتقال النظام السياسي السائد من نظام الملكية المطلقة ذات الحق الإلاهي إلى نظام سياسي ديمقراطي يسود فيه الملك و لا يحكم. و بالتالي تأسيس الكتلة الديمقراطية لم تحكمه خطة و أهداف سياسية واضحة لإحداث قطيعة مع نظام الملكية المطلقة ذات الحق الإلاهي و تأسيس و بناء نظام سياسي اجتماعي ديمقراطي. بل حكمها منطق الحركة الوطنية التي تعتبر أنها الحركة الوطنية الوحيدة التي كان نضالها مركزي في الحصول على الاستقلال غير أنها لم تصل إلى الحكم.  و تبين ذلك في الخلافات بين أطراف الكتلة الدديمقراطية حول تأويل ميثاق و برنامجها و حول التكتيك  السياسي للجواب على مقترحات الملك الحسن الثاني: قبول أو لرفض دستور 1996 و تشكيل الاتحاد الاشتراكي لحكومة مارس 1998.

و بالتالي لم يكن “صمودها” و نضال امتداداتها النقابية و الاجتماعية عموما سوى مساومات للوصول إلى صفقة سياسية مع الحكم ستتجسد في المصادقة على دستور 1996 و تشكيل حكومة ائتلافية بين الكتلة الديمقراطية و أحزاب اليمين المخزني.

و كان من نتائج هذه الصفقة السياسية تعميق التناقضات داخل القوى الديمقراطية و بداية فرز جديد أدى إلى انقسامات داخل الاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية و منظمة العمل الديمقراطي الشعبي و الكنفدرالية الديمقراطية للشغل… مما أضعف القوى اليسارية السياسية و الاجتماعية.

 4- لا يكفي أن تطرح قوى الصف التقدمي من موقع الحكومة أو من موقع المعارضة أن التوافق السياسي الذي قاده الاتحاد الاشتراكي بإشارة التصويت بنعم على دستور 1996 و بتشكيل حكومة “التناوب التوافقي” لم يؤدي إلى رهان استكمال الانتقال الديمقراطي!!

إن تحقيق انتقال ديمقراطي فعلي وفقا لشروط سياسية و دستورية ديمقراطية كانت متوفرة مع مطلع تسعينات القرن الماضي و بشكل قوي مع ما سمي العفو العام عن المعتقلين و المغتربين السياسيين. و كان على القوى الديمقراطية و خصوصا اليسارية النضال الصارم و دفع الوضع السياسي باتجاه فرض هذه الشروط، التي بلورتها هيئة الانصاف و المصالحة في توصياتها، و المتمثلة عموما في:

- وضع دستور ديمقراطي بمساهمة جميع القوى السياسية و الحقوقية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و المدنية الديمقراطية و المؤسسة الملكية و نخبها من أجل إقامة نظام سياسي ديمقراطي يسود فيه الملك و لا يحكم.

- تأهيل الحقل السياسي و الحزبي بوضع حد لتدخل المؤسسة الملكية  و مؤسساتها (المؤسسة المخزنية المتمثية في وزارة الداخلية الولاة و العمال و الباشوات و القياد… و المؤسسات الملكية الاجتماعية و الاقتصادية  و الإيديولوجية كوزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية…) في الشأن الحزبي و الشأن العام الذي هو من اختصاص الحكومة و البرلمان و قضاء مستقل عن المؤسسة الملكية و عن السلطة السياسية و عن البرلمان، و إلغاء الغرفة الثانية.       

- خطة سياسية اجتماعية تحضر فيها مصالح الطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة في الشغل و التعليم و الصحة و السكن و تنمية اجتماعية اقتصادية التهميش الاجتماعي و الاقتصادي عن القرى و المناطق الفقيرة المهمشة و التي تعاني الإقصاء.

- خطة اقتصادية تنموية متمحورة على إمكانيات المغرب و ثرولته المنجمية و الفلاحية و البحرية و الطبيعية و العلمية…

إن هذه القوى فشلت و أخطأت لأنها كانت فاقدة لمشروع سياسي مجتمعي واضح و لخطة و أهداف سياسية من تصويتها و من مشاركتها في الحكومة.

و بالتالي أصبح واضحا أن شروط التوافق مع المؤسسة الملكية لا زالت غير متوفرة لدخول المغرب مناخ الإصلاح الدستوري و السياسي الديمقراطي، اي دخول المغرب مرحلة الانتقال الديمقراطي.     

5- ما نشهده اليوم من تراجع المناخ الديمقراطي في المغرب دولة و مجتمعا و استمرار تحكم و استبداد نظام الملكية المطلقة المتستر في شكل نظام سياسي يأخذ بالديمقراطية الليبرالية، يجسد فشل مراهنة الاتحاد الاشتراكي أن تتحول مشاركته و حلفائه (حزبا الاستقلال و التقدم و الاشتراكية) إلى قاطرة الاصلاحات السياسية و الدستورية و إنجاز الانتقال إلى الديمقراطية.

6- هل فعلا يمكن اعتبار انتخابات شتنبر 2007 منعطفا سياسيا كبيرا، كما ذهب إلى ذلك علي بندين، مكننا من كشف عمق أزمة النسق السياسي بأكمله، دولة ومؤسسات وأحزابا؟!؟

ألم يعترف الملك الراحل في اكتوبر 1996 بأن هذا النسق السياسي سيصاب بـ”السكتة القلبية”؟

و رغم ذلك ساهمت هذه القوى الديمقراطية التي ليس لها مشروع ديمقراطي و خطة و أهداف سياسية من موقع المشاركة في نظام سياسي ماقبل ديمقراطي و في استمرار نظام اقتصادي ريعي مخزني و في اتمرار بنيات اجتماعية متخلفة.

و بالتالي لم تلعب هذه النخب السياسية للاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية و بطبيعة الحال نخب حزب الاستقلال، التي تعتبر نفسها ديمقراطية حداثية الدور الذي تعطيه لنفسها و هو  دمقرطة و تحديث النظام السياسي الاجتماعي و بناء دولة الحق و القانون لأن هذا النظام السياسي الما قبل ديمقراطي بكل بساطة يخدم هذه النخب و مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية.

7- الغالبية الساحقة من المواطنين كانت دائما تعتبر أن المؤسسات السياسية السائدة لا مصداقية لها. و ليست انتخابات شتنبر 2007 هي التي أظهرت لنا فقدان الغالبية الساحقة من المواطنين  لثقتها في المؤسسات السياسية السائدة. مع توسع فضاء الحريات و حقوق الانسان لم يعد النظام السياسي قادرا على الحكم، مرحليا، بالقمع و الاستبداد المخزني وحده لأنه غير قادر على توفير شروط نمو اجتماعي و اقتصادي فعلي لجماهير الشعب الكادح و المحروم. و يعرف هذ النظام أنه إذا استمر في سياسة القمع و الاستبداد المعمم في حق هذا الشعب كما في السابق ستؤدي سياسة القمع و الاستبداد هذه لا محالة إلى تحول الانتفاضات المتفرقة في المناطق إلى ثورة على النظام السياسي الاجتماعي بكامله.

و بالتالي لم يعد النظام السياسي المخزني  قادرا على  سوق جماهير الشعب لصناديق الاقتراع كما كان يفعل في السابق و إلا تعرضوا للقمع و للتهميش و لضرب مصالحهم. أي أن الغالبية من المواطنين و المواطنات تحرروا من قبضة المنظومة المخزنية التي كانت تصنع الانتخابات و النخب. و بالتالي، و لما لم يلمسوا تغييرا ملموسا و ديمقراطيا لواقع معيشهم السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي بعد حكومة “التناوب التوافقي” و عدم المس بمصالحهم الهشة بعد انتخابات 2002 و 2003، اعتبرت أن رهان الانتخابات و القوى المشاركة فيها لم يعد رهانا لتغيير واقعهم الاجتماعي و الاقتصادي الملموس. و بشكل عفوي قاطعوا الانتخابات.

و لذلك لم تعد القوى الديمقراطية اليسارية قطب جذب لمصالح غالبية الشعب. لماذا؟ هذا ما لم يجب عنه طرح علي بندين!

ليس فقط لأن غالبية الشعب الكادح و المحروم فقدت الثقة في المؤسسات السياسية بما فيها أحزاب اليسار و فقدت أي أمل في تغيير أحوالها من خلال المشاركة في الانتخابات، بل السبب الأساسي في كل ذلك هو أن الممارسة و الاجتماعية لليسار المعارض ظلت ضعيفة و غير مؤثرة لأنها ظلت تفتقد لممارسة سياسية وسط هذا الشعب الكادح و المحروم و وسط جميع المواطنات و المواطنين الذين لهم مصلحة في مشروع المجتمع و الدولة الديمقراطيين من جهة تفتقد لبرنامج و لخطة سياسيين قادران على تشكيل من هذه الغالبية من الشعب الكادح و المحروم و جميع المواطنات و المواطنين الديمقراطيين قوة اجتماعية ديمقراطية لها حد أدنى من الانتظام في الساحة السياسية الاجتماعية وفقا لمصالحها الديمقراطية التي تلتقي موضوعيا مع المصالح السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي تناضل من اجل تحقيقها، افتراضا، القوى اليسارية الديمقراطية. و بالتالي أعتقد أن مسئولية مقاطعة انتخابات شتنبر 2007 تتحملها القوى الديمقراطية و على رأسها اليسار المشارك في الانتخابات بدون استثناء كما تتحمل مسئولية ما آلت إليه الـك.د.ش. و الواقع النقابي من تشتت و انحلال لأن ذلك ساهم في تفكيك و اضمحلال القوى الاجتماعية المنظمة التي كانت دائما في صف اليسار عموما.

و أكيد أن واقع غالبية المواطنين و المواطنات ضعُفَت فيه أوليات الثقافة الديمقراطية و ضعف تاثير الفئات المتوسطة و المتعلمة (لاستقالتها من العمل الديمقراطي و انطفائها على مشاكلها الصغيرة بسبب إحباطاتها) و ضَعُفَ فيه حضور وازن اجتماعي و ثقافي و إيديولوجي و سياسي للقوى الديمقراطية (بعد ان اهتمت أغلب نخبها بمصالحها الضيقة) و أمام مخزنة جديدة للمجتمع و انتشار الإيديولوجية الإسلاموية و الفساد المالي و العهارة و الجريمة ستفقد غالبية المواطنات و المواطنين مبرر مشاركتهم في الانتخابات ماداموا فاقدين للوعي الديمقراطي الاستراتيجي (و هذه مهمة القوى الديمقراطية و خصوصا اليسارية) و غارق في أزمة ظرفية معيشه الملموس.                              

8-  “وتخلت أهم هذه القوى (أي القوى الديمقراطية اليسارية) تدريجيا عن خطابها السياسي والاجتماعي المنحاز بالكامل للديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية، وبدأت تندمج في خطاب السلطة وايديلوجيتها التقليدية وتبرير سياساتها”.

لوتخلت أغلب القوى الديمقراطية اليسارية عن خطابها فقط لهان الأمر، لكنها تخلت عن ممارستها الديمقراطية النضالية وسط الفئات الكادحة و المحرومة المرتبطة بها و بالتالي تخلت عن موقعها الطبقي الشعبي الذي تدعي الارتباط به و الدفاع عن مصالحه. لذلك أصاب التشتت و الضعف الـك.د.ش. بعد أن كانت قوة اجتماعية وطنية، و استمر الـ الاتحاد المغربي للشغل مرتهنا مركزيا لسياسة انتظارية و نقابية ضيقة غير متجادلة مع الصراع السياسي و الاجتماعي العام، و انتعشت النقابات الرجعية الاتحاد الوطني للشغل في المغرب التابعة لحوب العدالة و التنمية و الاتحاد العام للشغالين بالمغرب التابع لحزب الاستقلال.

إذا كانت القوى التقدمية (و لا نعرف من هي القوى التقدمية المقصودة) تراجعت تراجعا خطيرا لدرجة أنها أصبحت مهددة بالهامشيةو حتى بالتفكك و الانحلال، فلأنها أصبحت متخلفة في ممارستها السياسية و الاجتماعية المرتبطة و الفاعلة و المنظمة للطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة و المحدودة الدخل و الفئات الاجتماعية المتوسطة المتعلمة، و هذه الطبقات و الفئات الاجتماعية هي التي كانت تشكل القاعدة الاجتماعية الانتخابية للقوى الديمقراطية و اليسارية. و ما لجوء أغلب هذه القوى للأعيان و النخب المرتبطة بالمؤسسة المخزنية و بالسلطة سوى تاكيد عن تغيير موقعها الاجتماعي الشعبي و انتقالها إلى موقع خدمة التحالف البرجوازي الكمبرادوري.

9- بالفعل ستواصل المؤسسة الملكية في خطتها لإعادة صياغة الواقع السياسي الاجتماعي على صورتها و وفقا لمصالحا و مصالح التحالف البرجوازي الكمبرادوري السائد و هذا ما يفسر دعمها للتدخل في الحقل الحزبي بخلق “الاصالة و المعاصرة” لبناء و تجديد نخبها السياسية و فرض خطتها السياسية و أسلوب اشتغالها، كما تعمل على السيطرة على الحقل الديني عبر تحقيق برامج و إجراءات مؤسسة الأوقاف و الشؤون الإسلامية (إعادة هيكلة المؤسسات الدينية و المدارس الغتيقة و الكليات، دعم الوزايا و الطرق الدينية و الصوفية، مهرجان الموسيقى الدينية…) و واضح أن هذه سياسة استباقية لمواجهة التطرف و العنف الديني.       

10- أكيد أن فصائل اليسار التي حاولت الحفاظ على مبادئها وعلى حد أدنى من الوضوح في خطها السياسي تقلص إشعاعها وأصيبت بالضمور التنظيمي كما يطرح علي بندين.

لكن لماذا وصلت إلى هذا الوضع  و دخلت مدا تراجعيا؟

 و يرجع، من جانب، هذا المد التراجعي لقوى اليسارية المشارِكة في الانتخابات إلى تخلي بعضها و تهميش بعضها الآخر عن ممارسة خط التغيير الديمقراطي الذي هو صيرورة تراكم صراع و ممارسة سياسية اجتماعية نضالية فعلية عميقة للقوى الديمقراطية السياسية الاجتماعية و المدنية و الثقافية في عمق النضال الاجتماعي الذي مارسته و تمارسه الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة بجميع الأشكال النضالية بما فيها التظاهر و الاعتصام في جميع مناطق و جهات المغرب منذ بداية التسعينات من أجل الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و ضد التهميش؟… لأن التغيير الديمقراطي ليس فقط تسطير برنامج و بلورة أفكار الإصلاح السياسي و الدستوري يطرح بصيغ نخبوية.

لقد ظلت الإدارة و الممارسة السياسية  لقيادات اليسار المعارض و تصوراته و مواقفه في هذه القضايا السياسية الاجتماعية تخاطب و تتوجه للمؤسسة الملكية كمركز وحيد للقرار السياسي و تعتبرها القوة الوحيدة القادرة على إنجاز “الإصلاحات” السياسية و الدستورية المفترضة أكثر مما تتوجه لتنظيم و لتعبئة الطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة. و بالتالي بخست دور الجماهير في التغيير الديمقراطي، و بالتالي كذلك لم تستطع قيادات هذا اليسار ممارسة سياسية اجتماعية تتوجه للمجتمع و لفئاته الاجتماعية الشعبية و لطبقاته المتوسطة المتعلمة، القاعدة المفترضة للقوى اليسارية الديمقراطية السياسية الاجتماعية و المدنية، لبلورة وعيها الديمقراطي و لتنظيمها و لتعبئتها من أجل انخراطها الفاعل و المؤثر في ميزان القوى لإحداث التغيير الديمقراطي. 

11- كان  يُنتظر من القوى اليسارية و الديمقراطية في مثل هذه المنعطفات إعادة صياغة برنامج سياسي ديمقراطي و أهداف و مواقف سياسية ديمقراطية واضحة تربط جدليا انتقال الملك بالانتقال الديمقراطي الفعلي و ما يتطلبه ذلك من ضرورة بلورة تكتيك و استراتيججية القطيعة السياسية مع مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني و تأسيس و بناء مرحلة جديدة مع الملك الجديد على أسس سياسية و دستورية ديمقراطية جديدة، و على أساس خطة و تاكتيك مضبوطين و أهداف سياسية ديمقراطية محددة’ أي بناء سيرورة الانتقال من نظام الملكية المطلقة حيث يسود و يحكم الملك بمؤسساته المخزنية إلى نظام الملكية البرلمانية حيث الملك يسود و لا يحكم.    

12- الحركة الاجتماعية الشعبية المناضلة تطورت و اتخذت اشكالا احتجاجية متنوعة وصلت في طاطا و إفني و صفرو و فم لحصن… إلى انتفاضات، طيلة سنوات 2004-2009 و ووجهت بالقمع و المحاكمات و الحصار السياسي و الإعلامي حتى من طرف قوى تدعي الديمقراطية التي تعتبر أنها موجهة لإفشال تجربة التناوب المزعوم. و كان اليسار الراديكالي حاضرا كموقف مناهض للقمع لكن انخراطه في النضال الاجتماعي بالتأطير و التنظيم و القيادة كان ضعيفا إن لم يكن غائبا في جل هذه النضالات الاجتماعية.

هذه الحركة الاجتماعية الديمقراطية المناضلة و النضالات التي تخوضها الحركة العمالية ضد موجة التسريحات التي يتعرض لها العمال و دفاعا عن الشغل وعن حقوقهم، ستستمر لأن الواقع الاجتماعي الملموس و المعيش للطبقة العاملة و للفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة يتدهور باستمرار سيما في بلد لا زال اقتصاده المنتج ضعيفا إذ ليست له القدرة الانتاجية و التنافسية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية و للتحول لاقتصاد ناجع، تنافسي و منتج لنتائج قياسية (économie productive et performante). هذا الواقع الملموس هو الذي افرز الحركة الاجتماعية الجديدة و شكل وعيها و أخرجها من الممارسة الاحتجاجية العفوية إلى الممارسة الاحتجاجية المنظمة، المسئولة و التي تعي أهدافها.

و قد انضاف لنضال الحركة الاجتماعية المناضلة شكل نضالي جديد يتمثل في تنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار… التي بدأت نخبوية بمساهمة وازنة لقوى اليسار الماركسي و الديمقراطي الجذري و الجمعية المغربية لحقوق الانسان و جمعية أطاك-المغرب(ATTAC-Maroc) و مناضلي الكنفدرالية الديمقراطية للشغل و الحركة الأمازيغية الديمقراطية، ثم التحمت بالحركة الاجتماعية العفوية المناضلة… و هو تطور لا زال في طور التبلور و التوسع النوعي في أفق تحولها لحركة اجتماعية مدنية ديمقراطية مناضلة شاملة، منظمة التصور و البرنامج و الأهداف إذا ما وفرت و أبدعت لها القوى السياسية و المدنية و الحقوقية اليسارية الديمقراطية الجذرية المساهمة فيها شروط تحولها الذاتي و استمرار نضالها و تقدمه و تنظيم قواعدها الاجتماعية و توسيع نفوذها الاجتماعي.

13- لكل ما سبق لا زالت تنطرح مشروعية السؤال السياسي المركزي للمرحلة:

هل ستستطيع الحركة السياسية اليسارية الديمقراطية و الجذرية أن تقوم بنقد ضاتي جريئ و تعيد صياغة تنظيماتها و مناضليها و مناضلاتها، أطرها،  و قياداتها من صلب هذه الحركة الاجتماعية المناضلة بهدف تشكيل حركة و قوة اجتماعية ديمقراطية وطنية وازنة من أجل إنجاز التغيير الديمقراطي و مهامه الاجتماعية و السياسية و الدستورية و الاقتصادية و الثقافية و متطلبات بناء الدولة و المجتمع الديمقراطيين؟

إذا تأملنا كذلك واقع اليسار الراديكالي الذي بلور خطا سياسيا ينبني على القطيعة مع النظام السياسي المخزني التبعي و مؤسساته تنطرح علينا إشكالية مراوحته مكانه و ضعف تواجده المستمر وسط الطبقة العاملة و الطبقات الكادحة و المحرومة و ضعف و بطئ تقدمه في الارتباط السياسي و الاجتماعي بمعيشها. كما لم ينجح اليسار الراديكالي في مهمة تخليص الطبقة العاملة من القيادات البيرقراطية المسيطرة داخل الاتحاد المغربي للشعل و الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.

أكيد أن القوى السياسية و الاجتماعية و الثقافية اليسارية الراديكالية تحالف اليسارالديمقراطي و النهج الديمقراطي و مجموعة التضامن إلى النهج الديمقراطي القاعدي و الجمعيات الأمازيعية الدديمقراطية و نضال الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و تنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار وجمعيات المجتمع المدني الديمقراطية و التي يتواجد و يناضل في إطارها اليسار الراديكالي كانت لها مساهمة ملموسة و دينامية في الحركة النضالية الاجتماعية التي شهدها و يشهدها المغرب. غير أن التأثير السياسي و التشكل التنظيمي لليسار الراديكالي في الواقع المعيش للطبقات و الفئات الكادحة و المحرومة ظل ضعيفا و لم يستطع قيادة النضالات و الاحتجاجات الديمقراطية لهذه الطبقات و  للفئات و التاثير فيها سياسيا و تنظيمها و توحيدها وطنيا و فقا لبرنامج و أهداف و شعارات ديمقراطية واضحة، و ظلت أغلب اتجاهات اليسار الراديكالي مرتهنة عموما إلى التناقضات الثانوية التي تحصل خلال الممارسة في الساحة النضالية.   

لذلك لا زالت تنتظر تنظيمات و حساسيات اليسار الراديكالي مهمات سياسية و تنظيمية أهمها الارتباط العضوي سياسيا و تنظيميا و إيديولوجيا بالطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة و على رأسها الطبقة العاملة و الالتحام بالحركة الاجتماعية الاحتجاجية النضالية و حركة المعطلين لتشكيل قوة اجتماعية ديمقراطية في أفق تنظيمها السياسي اليساري الاشتراكي الكبير و المستقل لفرض برنامج ثورة التغيير و الانتقال إلى الديمقراطية.

 هل ستستطيع أغلب قيادات الأحزاب اليسارية أن تستوعب دروس هذه الانتفاضات و الاحتجاجات الجماهيرية الديمقراطية  و بلورة رؤية سياسية و بنيات تنظيمية للانذماج فيها و لقيادة نضالها سياسيا و اجتماعيا وبلورة ممارسة سياسية مرتبطة بها وفق خطة و برنامج سياسيين اجتماعيين لتشكيل وعيها و ممارستها الديمقراطية و العمل على تشكلها في قواعد اجتماعية ديمقراطية منظمة وفقا لخصوصياتها السوسيو- ثقافية و أشكال تنظيم حياتها و معيشها؟

 إن لليسار في جل المناطق تجارب واعدة ستختنق ما لم تعمل قيادات اليسار الوطنية و المحلية على أن تتحول تنظيماتها اليسارية إلى فضاء لوعيها و هواء لثقافتها و ممارسة لمعيسشها الاجتماعي، لأن التغيير الديمقراطي لن يتحقق بالفعل ما لم تتحول جماهير الكادحين من عمال و فلاحين فقراء و صغار و مستخدمين محدودي الدخل و فئات متوسطة متعلمة و مثقفة و ديمقراطية إلى قوة اجتماعية للتغيير الديمقراطي فاعلة و مؤثرة في الواقع و الصراع الطبقي. 

في تشخيص المرحلة السياسية

Posted 5 يناير 2010 by gauches
Categories: رأي

علي بندين

منذ انتخابات 2002 وتشكيل الحكومة التي تلتها والتي استبعدت الأحزاب المشاركة من رآستها، بدأت بوادر انتهاء مرحلة سياسية دون أن تظهر بوضوح ملامح مرحلة جديدة، لكن هذا التحول لم يتضح بشكل كافي إلا بعد انتخابات 2007، التي كشفت بشكل عار عمق الأزمة المتجلية في الانفصام شبه التام بين المجتمع وبين النسق السياسي الذي انبنى على الصيغة السياسية للمرحة الممتدة من 1996 إلى 2007. 

  1. المرحلة المنتهية (1992-2007):

تميزت بداية هذه المرحلة بالتقاء عدد من المتغيرات التي وفرت شروط فرصة سياسية لتحقيق طفرة نوعية في النضال الديمقراطي تؤدي إلى تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية، حيث تبلور لدى القوى الديمقراطية برنامج سياسي موحد تلخص في أولوية الإصلاح السياسي والدستوري  وتأسس تحالف واسع حول هذا البرنامج تمثل في “الكتلة الديمقراطية”، وترافق كل ذلك مع حركية اجتماعية نقابية وحقوقية متصاعدة. في المقابل استنفذ الحكم شعارات مرحلة “المسلسل الديمقراطي” (أو الهامش الديمقراطي حسب تعبير قوى اليسار) أمام تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وعجز الحكومات المعتمدة على الأحزاب الإدارية المتهالكة عن مواجهتها ووسط مناخ دولي ملائم للتحولات الديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينات.

وقد صمدت إجمالا أطراف الكتلة ما بين 92 و96 في التشبث ببرنامجها السياسي وفي الحفاظ على حد أدنى من تماسك وحدتها، رغم التنافس بين طرفيها الأساسيين (الاتحاد والاستقلال) حول من يكون المخاطب أو المفاوض الأول من طرف الحكم، ورغم بعض التكتيكات الانفرادية للتقدم والاشتراكية الذي كان دائما سباقا إلى الدعوة إلى المشركة من أجل “الإصلاح من الداخل”.

وقد بدأت تضيع الفرصة السياسية لتحقيق الانتقال الديمقراطي التي توفرت في بداية هذه المرحلة بمجرد تصويت أغلب أطراف الكتلة بالإيجاب على دستور 96 بمبرر إعطاء “إشارة سياسية” لإرساء الثقة مع الحكم، وليس موافقة على نص الدستور، ثم جاء تشكيل حكومة “التناوب التوافقي” كاستكمال لصفقة سياسية ظاهرها المشاركة في الحكومة لتحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية توفر الشروط لاستكمال الانتقال الديمقراطي وجوهرها التخلي عن شرط أولوية الإصلاح السياسي والدستوري مقابل تقاسم (شكلي) للسلطة.

ورغم الاختلافات حول مدى نجاح أو فشل هذه التجربة (الاختلاف أصبح مقتصرا على فترة 1998-2002) في تحقيق ما وعدت به من إصلاحات اقتصادية واجتماعية ومن مكاسب حقوقية وغيرها، إلا أن الجميع –في الصف التقدمي- بمن فيهم من قادوا التجربة متفقون على أنها لم تؤدي إلى النتيجة الأساسية التي راهنوا عليها ألا وهي تحقيق (أو استكمال) الانتقال الديمقراطي.

وإذا كانت القوى المشاركة في الصيغة السياسية التي حكمت مرحلة 1996-2007 قد فشلت في تحقيق أي من أهدافها (أو أهمها على الأقل) ولم تستطع إقناع جماهيرها بما تعتبره إنجازات لها، فإن أحزاب اليسار غير المشارك في هذه التجربة قد فشلت كذلك في أن تشكل معارضة فاعلة للحكومات التي كانت واجهة لها فأحرى أن تقدم بديلا جذريا عن تلك الصيغة السياسية يمكن أن يعبئ فئات المجتمع المتنورة التي انفضت من حول الأحزاب التقليدية وأن تقودها في معركة انتقال حقيقي إلى الديمقراطية.

وإذا كان من خلاصة لهذا الفشل المزدوج فهي أن القوى الديمقراطية في المغرب تتقوى ويتوسع نفوذها السياسي بشكل جماعي عندما تتوفر الشروط الموضوعية والذاتية لذلك وخاصة شرط توحيد عملها وتتراجع أيضا بشكل جماعي عندما تختلف خططها السياسية وتتشتت قواها. 

  1. المرحلة السياسية الجديدة: 
  2. - منعطف انتخابات 2007:

إن انتخابات شتنبر 2007 لم تكن مجرد نكسة انتخابية للأحزاب الديمقراطية وخاصة اليسارية ناتجة عن فشل مشاركتها في الحكومة أو لضعف تواصلها مع المواطنين، بل كانت (انتخابات 2007) منعطفا سياسيا كبيرا كشف عن عمق أزمة النسق السياسي بأكمله، دولة ومؤسسات وأحزابا، وتجلت هذه الأزمة في المظاهر التالية:

  • فقدان الغالبية الساحقة من المواطنين لأية ثقة في المؤسسات السياسية في شكلها الحالي وفي الانتخابات التي تفرزها، وخصوصا فقدان الأمل في أي تغيير لأحوالهم من خلال المشاركة في هذه الانتخابات؛
  • انهيار كبير لإشعاع ومصداقية الأحزاب الديمقراطية، المشاركة في تجربة 1998-2007 وحتى المعارضة لها، وسط جماهيرها المعتادة، ووسط الفئات المتعلمة  والمتنورة في المجتمع، واختلال وتفكك تنظيماتها وإطاراتها الجماهيرية، النقابية وغيرها؛
  • انتصار إستراتيجية الاحتواء والإفساد (انتخابيا) على محاولات الصمود والمقاومة أمام طوفان النفوذ والمال، فإذا كانت الدولة قلصت بشكل كبير من التزوير السافر للنتائج لفائدة أحزابها أو حتى الأحزاب المستقلة عنها، فقد أطلقت العنان للجميع “للتنافس” على استعمال المال واستقطاب الأعيان.

2.2- التراجع السياسي:

انطلاقا من تجليات منعطف انتخابات 2007 ومما كشفته من أزمة في النسق السياسي واختناق للمشروع الديمقراطي يطرح السؤال حول سمات المرحلة المقبلة. وإذا كانت هذه المرحلة تتميز أساسا بسمة التراجع، فسيكون من المهم تحديد فيما حصل التراجع؟ ومن الذي تراجع؟ (الدولة، الأحزاب، المجتمع؟). 

  • في موقف الدولة:

ما زالت الطبيعة الأساسية للسلطة السياسية الحاكمة مستمرة، والتي تتمثل في أسلوب الحكم السلطوي الاستبدادي المرتكز على  فئة اجتماعية ضيقة لكنها قوية بوسائلها وإمكانياتها، لأنها مرتبطة بالأنشطة الريعية وبنظام الفساد والزبونية. ولتعزيز سيطرته يعمد الحكم إلى أسلوب احتواء أكبر عدد ممكن من النخب المفترض فيها أن تعبر عن مصالح أوسع فئات المجتمع عن طريق الإرشاء السياسي والمادي وتوزيع المنافع والمواقع، دون أي تنازل عن سلطاته ولا عن احتكاره لمصادر الثروة وطرق توزيعها.

فلا خلال المرحلة السابقة، مرحلة “التناوب التوافقي”، ولا بعدها، لم تتراجع السلطة عن أي من اختياراتها، لسبب بسيط هو أنه لم يقع أي تقدم في جوهر هذه الاختيارات حتى يتم التراجع عنه، فكل ما حدث أنها فتحت قوس “التناوب التوافقي” كتنازل شكلي بإشراك بعض قوى المعارضة في الحكومة وليس في السلطة، وذلك بالضبط لتجنب أي تنازل جوهري في توزيع السلطة والثروة.

وكل ما يبدو كتراجع في سياسة الدولة منذ شتنبر 2007، بل منذ 2002، ليس سوى تعديل في تعامل الدولة مع أحزاب المعارضة السابقة بعد أن استنفذت دورها في المرحلة المنتهية وانتفاء الضرورة لإعطائها أية امتيازات في الانتخابات أو في تشكيل الحكومات. رغم أن ذلك قد لا ينفي الفائدة من استمرار مواقفها في صف السلطة، لكن ليس إلى لدرجة الخضوع لمطالبها سواء بتعزيز مركزها من داخل موقعها في الحكومة أو لضغطها  بالانتقال إلى موقع المعارضة. 

  • في وضع القوى التقدمية:

كل المعطيات تدل على تراجع خطير في وضع القوى التقدمية وفي نفوذها، على اختلاف موقعها سواء في الحكومة أو في المعارضة، لدرجة يمكن القول بدون مبالغة أنها أصبحت مهددة بالهامشية وحتى بالتفكك والانحلال.

فقد تراجع تأثيرها الشعبي من خلال هزالة نتائجها الانتخابية، ولكن قبل ذلك من خلال تآكل تنظيماتها الحزبية وتفكك أذرعها الجماهيرية، والأخطر أن أغلبها تعمل على تعويض خسارتها لقواعدها الحزبية باستقطاب فئات تقليدية من الأعيان المرتبطين بالسلطة كمرشحين وحتى كمسؤولية حزبيين.

وتخلت أهم هذه القوى تدريجيا عن خطابها السياسي والاجتماعي المنحاز بالكامل للديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية، وبدأت تندمج في خطاب السلطة وايديلوجيتها التقليدية وتبرير سياساتها.

أما فصائل اليسار التي حاولت الحفاظ على مبادئها وعلى حد أدنى من الوضوح في خطها السياسي، ورغم صحة تقييمها الإجمالي للمرحلة السابقة وتبني أوساط هامة من الرأي العام لجوهر تحليلاتها، فقد تقلص إشعاعها إلى أدنى الحدود، وأصيبت بالضمور التنظيمي، إضافة إلى حرمانها من وسائل العمل من خلال عتبة التمويل.

وتعرف المرحلة الجديدة التحاق حب الاستقلال بصفة كاملة، وتبدو نهائية، بصف السلطة وبالتالي بمنظومة الزبونية والفساد، وبذلك تفقد القوى التقدمية بالطبع حليفا لها سابقا لن يعود من الممكن المراهنة عليه في المرحلة الجديدة.

وفي الخلاصة فإن التراجع السياسي الحالي سببه أساسا تراجع موقع ووضع القوى التقدمية، وفي النهاية فإن السمة الأساسية للمرحلة الجديدة هي تراجع المشروع الديمقراطي الذي حملته ويفترض أنها مازالت تحمله هذه القوى، بل أصبح هذا المشروع مهدد بالانفراط نهائيا، في المرحلة المقبلة وعلى المدى المتوسط على الأقل. 

  • في وضع المجتمع:

موضوع التراجع السياسي يطرح بالضرورة التساؤل عن وضع المجتمع، فبموازاة، أو بالأحرى قبل التراجع السياسي، هل حدث تراجع مجتمعي خلال المرحلة الأخيرة؟

إذا كان المجتمع اليوم أقل دينامية وحركية في المطالبة بالديمقراطية وفي المشاركة في المعارك المفترض أنها جزء من النضال الديمقراطي، فهل حاجته وطموحه إلى الديمقراطية أصبحا أقل مما كان عليه الأمر عند بداية التسعينات مثلا؟

فهل يدل قبول فئات معينة، في الغالب فقيرة ومهمشة، ببيع أصواتها على تراجع مجتمعي في القيم والسلوكات؟ خاصة إذا علمنا أن حجمها جد محدود بالنظر إلى ضعف المشاركة الانتخابية إجمالا، بحيث لو افترضنا أن هذه الفئة تشمل نصف الناخبين المشاركين، فإن وزنها من مجموع المواطنين البالغين سن التصويت (أكثر من 20 مليون) لا يتجاوز 15 بالمائة.

وهل يدل تصويت حوالي نصف مليون من الناخبين على مرشحي جماعة أصولية، وهو ما يمثل بالكاد 3 بالمائة من مجموع الهيئة الناخبة، على تراجع في المجتمع؟

من حيث المعطيات الموضوعية المتوفرة، لاشيء يبرر القول بالتراجع المجتمعي، إذ لم تقع أحداث سلبية ضخمة بالحجم الذي يعيد المجتمع إلى الوراء (مثل مجاعة أو حتى أزمة اجتماعية حادة ومديدة مثلا)، بل بالعكس، فقد دخلت فئات أوسع خاصة من البوادي في نظام العلاقات الأجرية الرأسمالية بدل أنماط العلاقات التقليدية، وأصبح المجتمع أكثر تمدنا (55 بالمائة من السكان)، وأكثر تعلما، وأكثر انفتاحا واستفادة من وسائل الاتصال.

فالأساس الموضوعي الذي يدفع في اتجاه التغيير الديمقراطي متوفر ويتقوى سنة بعد أخرى، لكن الخصاص في الشروط الذاتية للقوى التي من المفترض أن تقود المشروع الديمقراطي، أي في عدم وضوح برامجها وتشرذم قواها. 

2.3- تطورات المرحلة الجديدة:

بناء على تشخيص الوضع السياسي لما بعد انتخابات 2007، وعلى بعض الخلاصات التي تبلورت عن بداية مرحلة جديدة، يمكن تلمس سمات هذه المرحلة من خلال تطور سياسة السلطة و مواقف الأحزاب الديمقراطية والتقدمية. 

  • تطور سياسة السلطة:

من الأكيد أن السلطة تستشعر، إذا لم تكن تدرك، عمق أزمة النسق السياسي التي كشفت عنها انتخابات 2007، والمتمثلة بالنسبة لها أساسا في “عزوف” الأغلبية الساحقة من المواطنين عن المشاركة في هذه الانتخابات، لكن الأجوبة التي حاولت الدولة “إبداعها” لمعالجة هذه الأزمة، أو على الأصح لتجاوزها من أجل ضمان استمرار نفس أساليب التحكم القديمة مع البحث عن وسائل “جديدة” للحفاظ على مظاهر ديمقراطية الواجهة، كانت أجوبة في جوهرها قديمة.

فالعودة إلى أسلوب “حزب السلطة” نابعة من الشعور بفراغ في القاعدة السياسية للسلطة لم تعد تملأه الأحزاب الإدارية التقليدية، وفراغ آخر في الجهة المقابلة للسلطة لم تعد تستطيع ملأه الأحزاب الديمقراطية لاستمرارها في نفس الخط الذي أدى إلى انهيار شعبيتها.

فالمرجح إذن أن تواصل الدولة بناء وترسيخ هذا الاختيار إلى ما بعد سنة 2012 على الأقل، حيث بتم بالتدريج تعزيز القوة الانتخابية لحزب السلطة، مع احتمال ابتلاعه لأحزاب إدارية أخرى أو قضم أكبر عدد من نخبها وأعيانها لبناء الحزب ألأغلبي في مواجهة الحزب الأصولي.

وعن موقف السلطة من الأحزاب التقدمية المشاركة في الحكومة، فإما أن تستمر في إغرائها بالبقاء في موقع تبعي لسياسة الدولة مرغوب فيه كمكمل للدور الأساسي لحزب السلطة، لكنه هامشي بحيث لا يسمح لا بالتأثير من داخل الحكومة ولا بابتزازها بالتهديد بمعارضتها، وإما أن تعتبر أنها أصبحت مجرد قوقعة فارغة وبالتالي لا خوف من أن تقوم لها قائمة فيما بعد فترمي بها إلى “المعارضة” مثل ليمونة بعد عصرها.

أما عن موقف السلطة من أحزاب اليسار المعارض،فالاتجاه واضح لدى دوائر السلطة للعمل على تهميشها أو حتى إقصائها من الساحة السياسية. 

  •  تطور موقف القوى التقدمية:

تعيش القوى التقدمية، في بداية المرحلة الجديدة، وضعا حرجا؛ فهي تدرك مدى التراجع الذي أصاب قواعدها الانتخابية وتنظيماتها، وتشعر بضغط الرأي العام وبعض قواعدها وأطرها في اتجاه تغيير خطها السياسي، ولكنها في نفس الوقت رهينة لقيادتها التقليدية النافذة التي لا ترى أملا في أي عمل سياسي إلا من خلال البقاء قريبة من مواقع السلطة     .

لكن هل فقدت  القوى التقدمية أية إمكانية للنهوض؟

موضوعيا، ورغم كفر أغلب قيادات القوى التقدمية بأي دور سياسي للجماهير، فإن أوسع الفئات المتنورة والواعية في المجتمع، تعيش على أمل استرجاع هذه القوى إلى صف النضال الديمقراطي الجدي، لأنها تعي بحدسها أن لا بديل عن هذه القوى لتحقيق التغيير الديمقراطي، فحتى محاولات التيار الأصولي لاستقطاب هذه الفئات الفاعلة في المجتمع، رغم جاذبية خطابه الأخلاقي، لم تمكنه من التأثير إلا على جزء قليل منها، في حين قاطع أغلبها المسلسل الانتخابي.

وذاتيا،  لا تزال وسط هذه القوى قواعد وأطر تطمح إلى أفق نضالي جديد، وتضغط على قياداتها من استعادة دور هذه الأحزاب وسط جماهيرها الطبيعية، وفي النهاية ستجد هذه القيادات نفسها أمام اختيار صعب، بين تغيير خطها السياسي من أجل بقاء الحزب، وبين خطر فناء الحزب وفنائها معه، وقد تتغلب غريزة البقاء.

أما أحزاب اليسار المعارض، ولإن كان تراجعها لا يقل عن تراجع الأحزاب المشاركة لأنها فشلت في تعبئة ولو جزء يسير من الفئات الطامحة إلى التغير الديمقراطي لدعمها في القيام بدور معارضة فاعلة، فإن الوضوح السياسي الذي تتمتع به، ونظافة تجربتها ونزاهة قياداتها، بالإضافة إلى وعيها المبكر بأزمة  المشروع الديمقراطي والمخاطر التي تهدده، كلها عوامل تؤهلها لتكون مبادرة في التفكير والحوار والإقناع من أجل الدفع إلى استنهاض الحركة التقدمية وتوحيد قواها حول برنامج نضالي متجدد لإنقاذ المشروع الديمقراطي في أفق تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية.

وبالتالي فإن مفتاح تجاوز أزمة المشروع الديمقراطي بيد القوى التقدمية، فإما أن توضح برنامجها السياسي وتوحد جهودها وتنتقل إلى شكل متقدم للعمل المشترك، وإما أن ينتهي دورها وربما وجودها،  وينتهي معه أي أمل في تحقيق  الديمقراطية إلى أجل غير مسمى   .

علي بندين

عضو المجلس الوطني

للحزب الاشتراكي الموحد

أية تحالفات للاتحاد الاشتراكي؟

Posted 27 ديسمبر 2009 by gauches
Categories: رأي

Tags:

 

أثارت مسألة التحالفات نقاشا كثيرا داخل دورة المجلس الوطني الأخيرة للاتحاد الاشتراكي، وقد تفاوتت الآراء في هذا الموضوع بين أربع مواقف: – موقف يسير في اتجاه تحبيذ التقارب مع حزب الأصالة والمعاصرة، باعتبار هذا الأخير يمثل “دينامية جديدة” في الحقل السياسي فرضت نفسها بالقوة ولا يمكن تجاهلها، – موقف ثاني استحسن التقارب الذي قام به الحزب مؤخرا مع العدالة والتنمية باعتباره يلتقي مع الاتحاد الاشتراكي في الدعوة للتخليق ومحاربة الفساد، – موقف ثالث لم يخرج عن الأطروحة القديمة في التمسك بإطار الكتلة الديمقراطية وعدم التفريط في العلاقة التاريخية مع حزب الاستقلال – وأخيرا موقف رابع ركز بالأساس على التذكير بالإطار الطبيعي لتحالفات الحزب المتمثل في العائلة الاتحادية واليسارية. وإذا كان هذا النقاش يتحدث في ظاهره على مسألة التحالفات، فهو يعكس في الحقيقة نوعية التصورات المتنافسة داخل الحزب حول طبيعة المرحلة الراهنة وحول موقع أو الدور المنتظر أن يلعبه في إطارها. وللإشارة فقد أظهر النقاش على هذا المستوى الأخير، أن الاتحاديين أو على الأقل من يمثلهم داخل المجلس الوطني، قد بدوا منقسمين بين ثلاث اتجاهات: يمين ويسار ووسط – اتجاه يقف على يمين الحزب، وهو الذي دافع عنه بالخصوص الكاتب الأول فيما سماه بأطروحة البقاء قريبا من موقع القرار، -اتجاه ثان يقف على يسار الحزب، وهو الذي تم التعبير عنه من خلال ملتمس الانسحاب من الحكومة، – ثم اتجاه وسطي، الذي وإن كان عديد من أصحابه لا يعارضون فكرة العودة إلى المعارضة، إلا أنهم لا يزالوا يتساءلون عن مدى تأهل الحزب لأن يلعب هذا الدور من جديد. وبالتركيب بين المواقف المختلفة المعبر عنها من هاتين الاشكاليتين، قد نستطيع استكشاف أو تلمس نوعية الاتجاهات أو الخارطة الجديدة التي بدأت ترتسم داخل الحزب، ونأخذ فكرة ولو أولية عن المسار أو مسارات المستقبل التي قد يسفر عنها هذا المخاض العسير الذي يمر منه حاليا. فأول ملاحظة قد تثير انتباه من يقرأ البيان الصادر عن المجلس، هو الغياب التام لأية إشارة إلى “الكتلة الديمقراطية”، مع العلم أنها كانت لحدود أشهر قليلة هي الإطار المرجعي لأي حديث عن التحالفات الحزبية. وللمفارقة، أنه باستثناء أصوات قليلة جدا، بدا وكأنه حصل إجماع في هذا المسألة بين جل التوجهات، وأن لا أحد في المجلس بقي يدافع عن خيار الكتلة، وهذا نفسه ما سبق أن عبر عنه فتح الله ولعلو في حواره المنشور سابقا بجريدة الحزب، حين سئل عن رأيه في الموضوع، فأجاب أن المهم هو “روح” الكتلة وليس بالضرورة الكتلة في حد ذاتها. وهذا يعني إذن وكأن هناك اقتناع و شبه إجماع داخل الحزب، على أن مرحلة سياسية قد انتهت ، هي تلك التي بدأت مع تأسيس الكتلة آواخر الثمانينات من القرن الماضي، وأننا الآن ندخل مرحلة سياسية جديدة تقتضي عقد تحالفات وتقاطبات من نوع جديد. لكن أي تحالفات هي ممكنة الآن، ذلك هو السؤال الذي يطرح اليوم على الاتحاديين ويطلب منهم الإجابة والحسم فيه، لأن الإجابة عنه تعني تحديد الموقف بوضوح من المرحلة السياسية الجديدة. وشخصيا أعتقد أنه إذا كان خيار “الكتلة” قد انتهى الآن، فكذلك الأمر مع خيار “العدالة والتنمية”، فقد تبين من خلال نقاش المجلس الوطني، أن لا أحد في الحقيقة هو مقتنع فعليا بهذا التحالف، وأن كل ما قيل في الموضوع في الشهور الأخيرة، هو فقط لمجرد توظيف سياسي تكتيكي، أو في ارتباط مع قضايا ومعارك ظرفية محددة في المكان والزمان. فهل نستنتج من هذا إذن، أن عقلية المحافظة سواء بشقها التقليدي المرتبط بسلفية الحركة الوطنية، أو شقها المرتبط بالسلفية الجديدة، قد بدأت تضعف داخل الحزب، وأن الأفق الحداثي بدأ يتوسع أكثر داخله؟ غير أنه إذا افترضنا إمكانية تحقق هذا الاحتمال الأخير، ففي أي اتجاه؟ هل نحو حداثة “ليبرالية” أم نحو حداثة يسارية؟ لقد سبق وأن دافعنا بشدة منذ بداية التسعينات، عن خيار الحداثة داخل الحزب، وذلك من أجل إنقاذه وانقاذ مجمل المشروع اليساري، من خطر ابتلاعه من طرف المد الأصولي الصاعد آنذاك، الذي كان في تلك المرحلة يحمل عنوان “الكتلة التاريخية”. وإذا كان ذلك الخطر قد زال عمليا الآن، فإن الحزب قد دخل منذ مدة في الخطر المقابل، أي إمكانية ابتلاعه ووأد ما تبقى معه من المشروع اليساري، من طرف دعاة الحداثة من داخل الدولة نفسها. أي من خطر “الكتلة التاريخية” انتقلنا الآن إلى ما يمكن أن نسميه بخطر “الكتلة الحداثية”. هذا بالضبط هو ما يعبر عنه البعض بالتقارب مع “الدينامية السياسية” الجديدة، المتمثلة في حزب الأصالة والمعاصرة، أو ما يدافع عنه باسم البقاء قريبا من مصدر القرار، بل ما بدأ يروج له منذ الآن من إمكانية عقد تحالف بديل عن الكتلة هو التحالف مع هذا الحزب الأخير، باعتبار أن ما عجزت الكتلة عن تحقيقه من انتقال ديمقراطي، قد ينجح فيه تحالف يضم الاتحاد الاشتراكي إلى جانب الأصالة والمعاصرة. لذلك فإن كنا متفقين عموما على تعميق التوجه الحداثي داخل الحزب، وعلى فك الارتباط مع الكتلة ومع حزب الاستقلال، فهل هذا هو البديل الوحيد الذي ينفتح أمامنا: التحالف مع الأصالة والمعاصرة؟ ذلك ما نختلف فيه مع أصحابه، وأننا لن نقبل أن نقحم حزبنا في مغامرة لن تكون أفضل مما وقع في تونس أو مصر، أي موت اليسار بشكل نهائي وفرض الحزب الوحيد. لهذا فإن النتيجة التي خرجنا بها من دورة المجلس الوطني الأخيرة، أن النقاش حول قضية المشاركة الحكومية وقضية التحالفات يبقى مفتوحا ولم يحسم فيه بعد، وأن الصراع الذي ينفتح الآن داخل الاتحاد الاشتراكي هو بين أطروحتين متنافستين: – أطروحة البقاء قريبا من مصدر القرار وما يفترضه ذلك من الاستمرار في المشاركة الحكومية ومن التقرب إلى الأصالة والمعاصرة، – وأطروحة العودة إلى المعارضة والعمل على الارتباط مع القواعد الشعبية عبر حركاتها المختلفة، مع السعي إلى تجميع اليسار من أجل هذا الغرض، وذلك حتى ولو اقتضى الأمر أن نضحي باستحقاقات 2012 وأن نراهن على ما بعده ، ما دام أن ذلك سيحفظ للمشروع اليساري حضوره في الساحة السياسية .

                                                                                               حميد باجو

النخبة السياسية المنتحرة

Posted 26 نوفمبر 2009 by gauches
Categories: رأي

Tags: ,

محمد بوبكري

لقد شكلت الطوباويات Utopies التي أبدعها اليسار المغربي حلما سياسيا واجتماعيا. ولا تكمن قوة هذه الطوباويات في عقلنة بنائها أو انسجام تصورها…، بل في كونها تثير فوريا الأفكار والمشاريع؛ إنها قادرة على إثارة المتخيل الجماعي والفردي للسياسيين وإغنائهما… لكن بعد نضال نصف قرن، اكتشف الناس، في السنوات الأخيرة، أن أحلام النخبة السياسية المغربية ومشروعاتها انزلقت على أرضية المجتمع كأنها مطر ينزلق على صخرة صفواء. وهكذا، أصبح أغلب المتتبعين يتحدثون عن الجفاف الذي ضربها وانقلابها على ذاتها وكذا على قيمها وأحلامها…، الأمر الذي يشكل إعلانا عن نهاية تاريخها.

يظهر لي أن هذه الخلاصة سليمة، إذ قد تستنفد المجتمعات والجماعات والنخب قدرتها على الإبداع وتتراجع إنجازاتها…، لأنها لم تعد قادرة على تطوير تجاربها وتخطيها ومجاوزتها، فضرب الانحسار مشروعها، وأصبحت تعيش في ظل نفسها… ونجم عن ذلك إعادة إنتاجها لذاتها بشكل رديء، مما تسبب في ضعفها الذي نتج عنه نكوصها وتراجعها…، الأمر الذي قد يفضي إلى انقراضها عبر استيعابها من لدن السلطة القائمة… وهذا ما يستوجب على هذه النخب امتلاك الشجاعة الأدبية لإعلان فشل مشروعها والشروع في استعمال خيالها من أجل استشراف مشروع جديد وابتكاره.

ويعني المشروع امتلاك الفرد أو الجماعة لرؤية معينة تتيح لها الانتقال من مرحلة متخلفة إلى مرحلة أكثر تقدما. وبهذا المعنى، فعندما يستنفد مجتمع أو جماعة قدرتهما على إنجاز أشياء جديدة، ويعجزان عن إبداع أفق جديد يدخلان به تاريخا آخر، فإن ذلك يدل على نهاية تاريخهما. وللأسف ترفض نخبتنا السياسية الاعتراف بحقيقة مآلها، لأنها، ولأسباب ثقافية ومصلحية، تخلط بين الاعتراف والنقد الذاتي من جهة، وإلغاء الذات وتَشَظِّيهَا…، من جهة أخرى.

إن الاعتراف هو نقد ذاتي يقود إلى الاشتغال على الذات من أجل بلورة رؤية جديدة تمكن من تطوير مشاريع ومسارات جديدة. فإذا أخذنا، مثلا، فكرة “الانتقال الديمقراطي”، نجد أنها فشلت.. لكن لماذا لا تعترف نخبنا السياسية بذلك؟! نحن نأخذ أفكارا، نجترها، نستنفدها، ثم نطرحها.. وتموت، لكننا لا نعترف بموتها…

لا يساعد هذا النوع من التفكير نخبتنا السياسية على تطوير المشاريع، مما يجعلها عاجزة عن المساهمة في حل مشاكلها وأزمات مجتمعها. ونظرا لامتلاك النخب الغربية لمشاريعها الخاصة المبنية على دراسات عميقة ومعرفة بالواقع…، فإنها قادرة على جعل أزماتها جزءا من الحل. فعندما يمتلك الإنسان مشروعا، فإن الأزمة تجعله أعمق تفكيرا وأكثر قدرة على مواجهة ما يعترضه من مشاكل وعوائق وأزمات. وهكذا، تشكل الأزمة في بلاد الغرب عنصر تحفيز وقوة وحركية…، بينما هي عندنا عنصر جمود وتقهقر وشلل ويأس. ويعود ذلك إلى أنه ليس لنخبتنا مشروع. فلو كان لها ذلك وامتلكت أفقا متحركا، لساعدتها الأزمات على تحقيق هذا المشروع…

وتبعا لذلك، فإن نخبتنا هذه لا تمتلك إستراتيجية للتغيير والبناء الديمقراطيين، مما يفيد افتقارها إلى رؤية مستقبلية، وكذا إلى نظرية لبناء الإنسان والمجتمع…. وهذا ما يدل على أنها تخلت عن ثقافة التغيير لصالح نزعة محافظة…

لقد ضرب العقم نخبتنا السياسية، فصار فكرها الحالي يطيل عمر التخلف والتراجعات بوضعه لنفسه خارج أي مغامرة فكرية كبرى. كما أنه تصالح مع الواقع واستسلم له، ولا يطرح أي سؤال خلاق على ما يجري أمامه. وإذا كان ماركس يقول:”لا تطرح الإنسانية على نفسها إلا المسائل التي تستطيع أن تحلها”، فقد أصبحت نخبتنا السياسية لا تطرح أية مسألة خوفا من ضياع مصالحها الخاصة. ومعنى ذلك أنها عاجزة عن تقديم أي حل لأية مسألة، بل إن تفكيرها يتمحور أساسا حول الاستفادة من نظام الريع والترقي الاجتماعي عن طريق التقرب من الدولة… وهذا ما يفسر “استسلامها” ودخولها في معطف السلطة…

واليوم، وبعد أن رفعنا شعار “الانتقال الديمقراطي” طوال العقد الأخير، ألا يبدو هذا الأخير للناس، في ظل هذه التراجعات، كأنه لم يكن إلا وسيلة للوصول إلى الحكومة؟ ألا تبدو مشاركة “القوى الديمقراطية” في هذه الحكومة مجرد مشاركة شكلية؟ ألا يمكن القول إن وزراء هذه القوى هم مجرد موظفين لدى الحاكمين؟ ألم تقبل هذه القوى أن يتم اختزال المنصب الوزاري السياسي في منصب مالي، الأمر الذي يحول الممارسة السياسية إلى ريع؟ وهل لهذه الحكومة وجود سياسي واقتصادي…؟ أليست المؤسسات عندنا صورية؟ ألا تحمل مشاركة القوى الديمقراطية في هذه الحكومة بذور إجهاض الفعل الاجتماعي ووأده؟ ألن يؤدي شلل النخبة السياسية إلى انتحارها قبل حلول استحقاقات 2012، إذ ستتحول إلى برتقالة عفنة يمتعض منها الجميع؟ وهل يشكل الانتقال إلى المعارضة خرقا للدستور الحالي؟ ألا يشكل ذلك حقا من حقوق الأفراد والجماعات؟ وهل هو مناف للتقاليد الديمقراطية المعمول بها في البلاد الديمقراطية؟… وإذا كانت الحداثة عملية اجتماعية شاملة لكل نشاطات الحياة المجتمعية ولبنية المجتمع والدولة وثقافتهما ومن ثم الإنسان، فأين نخبتنا السياسية من هذا كله؟

لا تنظر نخبتنا السياسية إلى ما يحدث حولنا وأمام أعيننا. كما أنها لا ترى الواقع الذي يضرب وجوهنا كل يوم؛ فهي لا تستطيع التجرؤ على ذلك، لأنها لا تعرف النظر أصلا، أو أن مصالحها تفرض عليها الإحجام عن ذلك، الشيء الذي أضعف إرادتها وشل فعاليتها، إن لم يكن قد قتلها. وهكذا ساهمت هذه النخبة في تحويل ما سمي بـ “الانتقال الديمقراطي” إلى سراب لن نجني منه سوى ممارسة ميتافيزيقا الانتظار الممتد دون حدود.

وإضافة إلى ذلك، لا تحسن نخبتنا السياسية التدبير السياسي لمؤسساتها الحزبية، إذ لم يعد لها أي حضور فكري ولا سياسي في الساحة. وهذا ما جعلها تفقد قواعدها الاجتماعية التي أوصلتها إلى كراسي الحكومة… والمؤسسات والأفراد ينقرضون عندما يفقدون القدرة على الفعل والإبداع واستعمال الخيال وتطوير المشاريع…، لأن ذلك يقطعهم عن امتداداتهم الاجتماعية، ويحولهم، في نظر المواطنين، إلى مجرد أشخاص يضحكون على ذقون الناس، الأمر الذي ينفر المجتمع منهم، فيستأصلون ذواتهم من الشعب، ويدوس التاريخ هاماتهم، فينقرضون. وأبرز دليل على انقراض نخبتنا السياسية هو أنها ما تزال تفكر في إطار سياق هذا الانقراض عبر حديثها عن إنجاز مشاريع وهمية…، وممارستها للغة الخشب عَلَّها تخفي ردَّتها وارتدادها واغتيالها لأحلام اليسار وكل الديمقراطيين… فهي تجابه أوضاعا جديدة-قديمة بأفكار بالية وبسياق انتهت صلاحيته. وينبغي لها أن تحدث قطيعة مع هذا السياق على كافة المستويات وتفكر في ثقافة ومجتمع جديدين…

لقد عملت السلطة دواما على أن يكون الشعب، فكرا وممارسة، جزءا من النظام، لا على أن يكون النظام، نظرا وعملا، جزءا من الشعب. وهكذا، فقد بدأت صراعها مع اليسار عبر مواجهته بكل ضراوة، وانتقلت بعد ذلك إلى محاولة تلغيمه لاحتلاله من الداخل بهدف جعله يتخذ ما تبتغيه من مواقف وقرارات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنها تبذل قصارى جهدها من أجل إدماجه في “حزبها الجديد” لضمان تبعيته المطلقة لها. وهكذا، تكون الدولة قد نهجت القمع أسلوبا لمواجهة اليسار خلال عقود، وهي تعمل حاليا على إهانته عبر استصغاره ومسخ هويته واستيعابه…

وللتدليل على الرغبة الأكيدة لبعض النخب السياسية في خدمة مصالحها الشخصية، فقد أصبح بعض القياديين السياسيين يجهرون برغبتهم السافرة في الاقتراب من “المشروع الحزبي للحاكمين”، حيث يُرَوِّجون أن ذلك سيؤدي إلى عمل مشترك مع هذا الحزب، الأمر الذي سيشكل “مدخلا سهلا وناجعا” لطرح مطلب الإصلاحات الدستورية من جديد. ويظهر لي أنه لا تفسير لكلام هؤلاء سوى أنهم يتحايلون من أجل التملص من هذا المطلب الذي صادق عليه بالإجماع مؤتمر حزبهم الأخير. إنهم يعتقدون أن طمس من هذا المطلب سَيُمَهِّد لهم الطريق للتقرب من السلطة، مما سيمكنهم من الاستفادة من نظام الريع…

نحن نتمنى أن تكون السلطة في بلادنا حَكَماً لا طرفا، إذ إنها ما تزال، مع الأسف، طرفا. وكونها كذلك يفسد العلاقة بينها وبين المواطنين…، لأن الدولة، بالمفهوم الحديث، حكم ديمقراطي بين البشر. أضف إلى ذلك أن الشعب طاقة حية لا تموت، لكنها تتحول. وما يموت هو ما ينتجه الشعب من مؤسسات وتقاليد….

ويظهر لي أن “المشروع الحزبي” للسلطة خطير عليها هي ذاتها، لأنه سيخلق فراغا سياسيا واحتقانا قد يتحولان إلى سرطان يأتي على الجميع. فلا يمكن تصور دولة قوية بدون أحزاب ديمقراطية قوية ومستقلة، إذ إن التعددية السياسية هي عماد دولة المؤسسات… كما أن عدم دمقرطة الدولة يؤدي إلى إضعافها، بل قد يقود إلى نشوب حروب طائفية وقبلية وعرقية…، الأمر الذي قد يشكل خطرا على وحدة النسيج الوطني…

ليست الديمقراطية فقط هي إتاحة أوسع الفرص أمام المواطنين لكي يشاركوا في صنع القرارات الوطنية وإدارة شؤون الدولة…، كما أنها ليست فسح المجال لتداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع فحسب، وإنما هي أيضا وسيلة ناجعة لتحقيق أكبر قدر من التجانس والاندماج في المجتمع الوطني…

وتفيدنا دروس تاريخ أوروبا الحديث، حيث ظهرت الليبرالية وتأصلت، أن هذه الأخيرة شكلت الأداة الأساس لتحول المجتمعات الأوروبية من التجزئة الإقطاعية إلى الدول الوطنية. وقد اقتضى تأصيل الليبرالية تأكيد النشطاء السياسيين والاجتماعيين الديمقراطيين الغربيين حينئذ على تساوي المواطنين أمام القانون وإلغاء كل التمايزات فيما بينهم باعتبارهم شركاء مسيرة ومصير.

وفي ضوء دروس تاريخ أوروبا المذكور والعالم الثالث، يتضح بجلاء أن حماية النسيج الاجتماعي الوطني شرط من الشروط الأساسية للبناء الديمقراطي، بل إن حماية هذا النسيج وتأمينه مدخل مهم لتوفير المناخ السياسي- الاجتماعي لقيام حياة ديمقراطية سليمة؛ إنها توصد أبواب المجتمع في وجه الاختراقات الأجنبية، كما أنها تشكل ضمانة أساسية للسيادة الوطنية واستقلال الإرادة في صنع القرارات…

محمد بوبكري     عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي

في نقاش مع محمد الحبيب الطالب

Posted 3 نوفمبر 2009 by gauches
Categories: ترحيب

حميد باجو

حميد باجو

 لا يمكن لأي واحد إلا أن يصفق لمبادرة محمد حبيب الطالب بإثارته لهذا النقاش (الورقة المنشورة يومي 29 و30 أكتوبر بجريدة الاتحاد الاشتراكي) حول الوضع الحزبي والسياسي الراهن في هذه اللحظة بالذات، خاصة ونحن على مشارف دورة للمجلس الوطني قد تكون لها نكهة خاصة.

شخصيا كنت دائما من أشد المقتنعين بأن اندماج الحبيب ورفاقه من الاشتراكي الديمقراطي سابقا في الاتحاد اشتراكي، لا بد وأن يقدم إضافة نوعية وهامة في حياتنا الحزبية افتقدنا مثلها منذ مدة طويلة، وذلك ما يتجسد بالخصوص فيما عبر هو نفسه عنه في الورقة موضوع حديثنا، بالحاجة “إلى إرجاع الاعتبار للإيديولوجيا في حياتنا الحزبية وإغناء وتجديد تفكيرنا الاشتراكي، والانكباب على عملية تثقيف واسعة ودائمة لأطرنا وقواعدنا الحزبية ..”

اندماج الحبيب ورفاقه كان له أيضا، قيمة مضافة أخرى، أنه أغنى الثقافة الاتحادية بمنظور أو طريقة جديدة للنظر إلى السياسة، قد تكون مختلفة نسبيا عما تعوده الاتحاديون من قبل، هذا المنظور الذي هو ثمرة اجتهاد وتراكم فكري طويل تتبعنا أو تتلمذنا جزئيا من بعض أدبياته، وذلك منذ تجربة 23 مارس و مرورا  بمنظمة العمل ثم الاشتراكي الديمقراطي إلى آخر الأدبيات المنشورة حديثا ومنها هذه الورقة نفسها.

لكن هذا المنظور بالذات، هو ما يطرح نفسه للمساءلة والنقاش، باعتباره كأي منظور آخر، له ما له وله ما عليه، وأنا أستسمح هنا لأن أتجاوز مؤقتا إطار  الورقة، لأقدم ملاحظات عامة عن  المنظور، حتى يسهل علينا أكثر ربما، فهم المنطق  الذي يوجه هذه الأخيرة . أو الباراديغم  بلغة إدغار موران، أو الإبستيم بلغة فوكو … الذي تنتسب إليه.

ما يطبع  هذا المنظور ، ولا أقول حصريا، انتظامه  في إطار ما يعرف بأطروحة التاريخانية،  كنظرية في التاريخ من وحي فلسفة هيجل، وبصياغة أولية بالنسبة للمغرب والعالم العربي من طرف عبد الله العروي. مفاد هذه النظرية بإجمال، أن جميع المجتمعات بما فيها  المغرب، لا بد وأن تمر من كل المحطات التاريخية التي سبق وأن عرفها الغرب قبل وصوله إلى لحظة التطور الراهنة، أي أن تعيش هذه المجتمعات نفس التجربة أو “اللحظة الليبرالية”، كما عاشتها المجتمعات الأوروبية، أو ما نسميه نحن الآن بتجربة الانتقال الديمقراطي، أو ما يوافق في الأدبيات الماركسية القديمة مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية.

ومن المعروف أن هذه الأطروحة سبق وأن تواجهت مع أطروحتين أخريتين مناقضتين لها: أطروحة يسارية كانت تدعو إلى تحقيق القطائع وحرق المراحل كما حدث في الصين أو روسيا لتحقيق المجتمع الاشتراكي بدون انتظار نضج “المجتمع البرجوازي”، أو ما كان ينعت في وقته أحيانا بالشعبوية أو الإرادوية …، ثم أطروحة إسلاموية أو خصوصية، تعتقد أن لمجتمعاتنا العربية والاسلامية مسارا خاصا بها لا يمكن أن يحاكي بالضرورة مسار المجتمعات الغربية.

وإذا كان هذا التصور  للتطور  التاريخي قد أثبت على العموم صحته في اعتقادي، بعد أن أثبتت العديد من التجارب سواء في الاتحاد السوفياتي أو الصين، أو حتى في إيران الخميني مؤخرا، صلابة الواقع الموضوعي وصعوبة القفز عن المنطق الخاص للتاريخ، وأظهرت كم هو واهم من يعتقد أنه يكفي بوجود إرادة ذاتية قوية أحيانا، للقفز  على القوانين الموضوعية للتاريخ. غير أن التجربة أظهرت  أيضا حدود هذا التصور  أو بعض مجالات قصوره.

يتجلى هذا القصور بالخصوص، حين يتم الاعتقاد بأن تلك “اللحظة الليبرالية” المفترض أن تمر منها كل المجتمعات، هي تجربة “ساكنة” أو مماثلة لنفسها في كل المجتمعات، أو التعامل معها وكأنها علبة سوداء لا يهم ما يحدث داخلها من تفاصيل الأمور ومنعرجات دقيقة، قد يكون للبعض منها الأثر أو القدرة الكافية حتى على قلب مسار تلك التجربة الليبرالية برمتها في هذا الاتجاه أو ذاك، أو  كما يعبر عنه بالقول: ” أن الشيطان قد يسكن أحيانا في التفاصيل”,

أي أن هذا التصور الساكن والجامد بما يقرب في بعض المرات من فكرة “الجوهرانية” (اعتقاد وجود جوهر  أو طبيعة واحدة وثابتة للتجربة الليبرالية)، هو ما يجعل أصحابه  يحاولون استنساخ هذه الأخيرة حرفيا ومحاولة إسقاطها على المجتمعات الأخرى، أو ما كان مهدي عامل قد انتقده في حينه فيما سماه بمنطق المماثلة.

وقد يعود السبب في هذا الاستنساخ الأعمى إلى تغافل أصحابه من بين أشياء أخرى، على معطيين أساسيين:

-        أن التجربة الليبرالية نفسها قد تعاش بطرق مختلفة، وذلك بحسب الشروط الخاصة بكل مجتمع. التجربة أو التجارب الأوروبية ليست هي اليابانية، وهده الأخيرة ليست هي الهندية، بل وحتى ما عرفته  روسيا أو الصين من اشتراكية دولتية، قد لا تكون  هي أيضا أكثر من صيغة مشوهة عن اللحظة الليبرالية.

كما أن المدى الزمني لهذه اللحظة قد يتفاوت ما بين عدة قرون في التجربة الانجليزية وبين بضعة عقود فقط في النموذج الكوري أو الماليزي. وقد يكون المحفز أحيانا لذلك هو العامل الاقتصادي، أو في حالات أخرى، تحول في الرؤية الثقافية، في حالة إصلاح ديني مثلا، أو بفعل عامل سياسي. وفي الحالة الأخيرة قد يتم ذلك بفضل تدخل خارجي استعماري أو بوصول حاكم مستبد وعادل، أو حتى بوجود نظام عشائري وقبلي له قابلية ما لأن يتحول بسهولة إلى الديمقراطية والليبرالية ….  

-        المعطى الثاني، أن اللحظة الليبرالية حينما  عرفها الأوروبيون، كانوا لا يزالون يعيشون في إطار مجتمعات مستقلة بعضها عن بعض، ولكل منها القدرة على  التحكم  في قرارتها  الوطنية الخاصة. وقد تكون اليابان آخر من أنجزت تجربتها الليبرالية في إطار وطني مستقل. أما بعد أن تعممت الظاهرة الأمبريالية سابقا ثم العولمة حاليا، فإنه لم يبق لأي مجتمع في العالم استقلاله أو حرية التصرف في قرارته، بما فيها بعض المجتمعات المهيمنة. ولذلك فإن اللحظة الليبرالية لم يعد ممكنا إنجازها بناءا فقط  على المعطيات الوطنية الخاصة، ولكن بالمرور بالضرورة من تحت تأثير العوامل الدولية والكونية أو أحيانا بالتوجيه المباشر من طرف المراكز الخارجية. ونحن قد نتصور مثلا أن ما يحدث الآن في العراق أو أفغانستان من فرض خارجي للديمقراطية الليبرالية، قد يكون فرصة لهذين الشعبين أن يعيشا تحولهما الليبرالي ضدا على معطياتهما الداخلية الخاصة، وبما سيوفر  عليهما ربما عقودا  يسبقا بها مجتمعات أخرى شبيهة لا زالت أسيرة لعوائقها الداخلية. 

إن من تجليات هذا المنظور الساكن للتجربة الليبرالية، هو ما يظهر مثلا عند دعاة القومية العربية (أو أي نزعة قومية أخرى)، ومن بينهم الحبيب الطالب نفسه كما عبر عن ذلك في عدة مناسبات. ففي تصورهم : بما أن هذه اللحظة الليبرالية  سبق وأن تزامنت في الغرب مع النهوض القومي لبعض الشعوب: نموذج بروسيا الألمانية بالخصوص كما روج ودافع عنه هيجل، اهتدى ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وبعده كل القوميين، إلى أن لا تقدم حضاري أو  إمكانية لتحقيق ما يسمونه بالمشروع النهضوي في المنطقة، بدون استنهاض و بعث الروح في القومية العربية، وذلك في مواجهة لقومية أخرى متسلطة على المنطقة، هي القومية اليهودية أو الصهيونية.

 

من المميزات الأخرى لهذا التصور التاريخاني، وهو ما سيعيدنا إلى موضوع نقاشنا الراهن،  أنه يعطي أسبقية كاملة للعامل الموضوعي أو للمنطق الخاص بالتاريخ، ويلغي أو يغيب أحيانا دور الإرادة أو العامل الذاتي في التغيير. فما دامت الشروط الموضوعية غير ناضجة، فليس للعامل الذاتي ما يفعله سوى الاستكانة والانتظار. إنها الانتظارية القاتلة التي تكبل أحيانا الفعل السياسي، وترفض كل تدخل إرادي في تحريك المستنقع الساكن للسياسة، بدعوى رفض وتجنب السقوط في النزعة الإرادوية أو عقلية المغامرة أو التسرع وعدم النضج… إلى آخره من النعوت. فهذا التصور لا يعترف هنا بالفكرة التي أوردناها أعلاه، أن الشيطان قد يسكن  في التفاصيل، وأنه يكفي أحيانا لحدث بسيط أو عابر، أن يحرك المستنقع بكامله ويسرع مسار التاريخ في هذا الاتجاه أو ذاك، أو كما كان يعبر عن ذلك رفاقنا الماويين القدامى: رب شرارة قد تحرق الحقل بأكمله.

غير أن مثل هذا المنطق الانتظاري قد لا يتكشف بسهولة في كتابات الحبيب الطالب، أو قد يتعامل معه بانتقائية، يوظفه مرة ويستغني عنه مرات أخرى، مما يخلق أحيانا حيرة وارتباكا عند المتتبع. وهي الملاحظة التي عبر لي عنها أحد الأصدقاء بعفوية بعد قراءته لورقة الحبيب: بأن التحليل الذي قدمه هو تحليل صائب، لكنه يصل في النهاية إلى عكس الخلاصات التي يفترضها منطق التحليل.

ذلك ما استنتجناه نحن أيضا من قراءتنا للورقة. فالحبيب الطالب يقدم تحليلا للهشاشة الاجتماعية التي يعرفها المغرب ولهشاشة المجتمع السياسي، بما لا يمكن إلا أن نتفق معه، خاصة حين يخلص في حديثه عن التوافق مع المؤسسة الملكية، إلى رفضه لأي “ممارسة انتظارية ذيلية، تلغي أو تحجم في الواقع العملي مسؤولية وأدوار القوى الاجتماعية التي تمثلها”. بل هو يؤيد ما ذكرناه أعلاه عن أهمية التفاصيل في الحياة السياسية أو المفاجئات التي قد تخرج عن المنطق الموضوعي المفترض لمسار الأحداث، ويؤكد أن ” لا أحد يستطيع أن يتكهن مسبقا بالتفاعلات التي من شأنها أن تستنهض الحركة الجماهيرية وتخرجها من عزوفها الراهن، ولا خيار للقوى الديمقراطية في هذا الوضع المحجوز سوى خيار الممارسة الجماهيرية، فهي وحدها الكفيلة بالخروج عن المأزق الحالي”.

غير أن هذه النبرة النضالية والحماسية التي قد تغري البعض، سرعان ما تسقط في الماء حين يعود للإلحاح وفي أكثر من مرة، عن الحاجة إلى دور دستوري قوي للمؤسسة الملكية، وعن أن لا خيار بديل عن التوافق مع المؤسسة الملكية. ( ولك  أنت عزيزي القارئ أن تختار ما بين: لا خيار غير الممارسة الجماهيرية،  أو لا خيار غير التوافق مع المؤسسة الملكية ؟؟؟؟)

بل الأدهى من ذلك أن يصف “الدعوة للانسحاب الفوري من الحكومة القائمة، مضرة سياسيا وتشويشية عمليا”،  و”لا قضية ساخنة حدث فيها خلاف حكومي يهم الرأي العام” ، وبالتالي حسب رأيه أن “النتيجة الوحيدة المترتبة عن هذا الموقف المتسرع والفاقد للجاذبية لدي الرأي العام، والمشبوه في مصداقيته، لأنه سيبدو وكأنه هروب من المسؤولية (…) وبث أجواء سياسية مسمومة لا تتلاءم مع الرغبة في إحداث توافق دستوري متقدم” . ؟؟؟

فعن أي ممارسة جماهيرية نتكلم وعن أي دور للقوى الديمقراطية، إذا كنا نخشى أن نخلق تشويشا على السياسة الرسمية أو نغضب قائد الدولة فيعمد إلى تأجيل الاصلاح الدستوري المنتظر؟ متى كان النضال الجماهيري يتم بتوافق أو بحسب ما يرتضيه الملك؟ أليس دور النضال الجماهيري هو بالضبط أن يخلق التشويش على السياسة الرسمية للدولة بما يجعلها تغير هذه السياسة لصالح الفئات الجماهيرية المتضررة؟ أليس تنظيم الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات أو جميع ما كان ينعت ” بكل ما من شأنه” هو قمة التشويش على سياسة الدولة والوسيلة الوحيدة التي بين أيدينا للضغط عليها حتى تستجيب لمطالب الشغيلة والفئات المتضررة؟

وهل صحيح فعلا ما ندعيه، بأنه “لا توجد قضايا ساخنة وخلافية داخل الحكومة تهم الرأي العام”، أم أننا نحن الذين بنهجنا الانتظاري والمستكين، من نتحاشى طرح القضايا الساخنة ونتجنب إثارة المشاكل الحقيقية التي تهم الرأي العام خوفا من أن يغضب منا أحد؟ هل كانت لنا الجرأة  ونحن نسير وزارة المالية، أن نطرح مثلا إشكالية اقتصاد الريع والامتيازات والإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها جهات معروفة على الطاولة، ونفتح حولها نقاشا وطنيا صريحا؟  ألم تكن هذه القضية لوحدها قادرة على إثارة الرأي العام وخلق إشكال سياسي حقيقي داخل الحكومة؟

كيف نفسر إذن هذا التناقض أو الازدواجية في خطاب الحبيب الطالب، بين استعمال المصطلحات اليسارية ذات النبرة النضالية حين تشخيص القضايا، وبين العودة إلى مفردات اللغة الخشبية من قبيل التوافق والمصلحة الوطنية العليا … حين استخلاص ما يجب عمله فعليا؟

ذلك ما لا يمكن فهمه بسهولة من دون ربطه بالمنطق الخفي الكامن وراء خطابه. منطق الإنتظارية واستهجان المبادرة الذاتية للمناضلين وللقوى الراغبة في تعبئة الجماهير ضدا على سياسة الدولة وما تريد أن تفرضه. هذا المنطق يتكشف لنا أكثر حين الإكثار من الحديث عن التوافق مع الملك، وهي الفكرة التي لحقها الكثير من التشويه ومن تحريف لمضمونها التاريخي الحقيقي.

فما معنى التوافق مع الملك؟

 بالعودة إلى تاريخنا، نجد أن مثل هذا التوافق الذي كان   ينتظر منه في كل مرة  الاتفاق حول قواعد للعمل السياسي خلال مرحلة محددة وباحترام من كلا الطرفين، قد حصل لثلاث مرات فقط، غير أنه في كل واحدة منها كان الطرف الآخر هو الذي يخرقه:

-        المرة الأولى مع محمد الخامس في مواجهة الاستعمار، فيما يعرف “بثورة الملك والشعب” ،( أو كما سبق أن صححها الراحل الفقيه البصري: “ثورة الشعب والملك”)، والتي كان من نتائجها سياسيا اتفاقية إيكس ليبان أو ما كان يعبر عنه في وقته بالاستقلال المنقوص، والذي قاد المهدي بنبركة لاحقا لأن يقدم نقدا ذاتيا عن الأخطاء الثلاثة القاتلة التي لم تكن في الحقيقة سوى النتيجة المنطقية لتلك الاتفاقية.

-        التوافق الثاني تم بين الملك الحسن الثاني والراحل عبد الرحيم بوعبيد في بداية السبعينات بمناسبة طرح القضية الوطنية، غير أن نتائجها لم تكن أكثر من إجهاض للمسلسل الديمقراطي في بدايته من جهة، وهو الذي كان في أصل هذا التوافق، ثم اعتقال بوعبيد نفسه من جهة ثانية حين أصر على تشبثه  بموقفه الوطني في مواجهة أطروحة تقرير المصير.

-        التوافق الثالث هو ما تم في التسعينات بين الملك الحسن الثاني وعبد الرحمان اليوسفي، والذي تم التعبير عنه من خلال التصويت الإيجابي على دستور 96 وبالقسم على القرآن وترؤس هذا الأخير للحكومة الانتقالية، غير أنه توافق لم يلبث هو أيضا بعد شهور  قليلة فقط  أن أسفر عن الخروج عن المنهجية الديمقراطية وعزل اليوسفي من الحكومة.

هذا مع ضرورة الإشارة هنا إلا أنه لا يجب أن نحمل الملك محمد السادس أي مسؤولية فيما يقع، لأنه لم يسبق له أصلا أن توافق معنا على أي شيئ، وإنما هو وجد وضعا موروثا عن والده عمل تدريجيا على تجاوزه لينهج سياسته الخاصة.

لكن إذا كان القادة الاتحاديون الثلاث الذين شاركوا وأرسوا لهذه التوافقات مع الملك، سرعان ما اصطدموا بتنصل الطرف الآخر من التزاماته وقدموا نقدا ذاتيا على ذلك بطريقة أو أخرى، آخرها اعتزال اليوسفي نهائيا للعمل السياسي، فإن جزءا آخر من الاتحاديين كان دائما يصر على التشبث بتلابيب الدولة وبرفض الفطام عنها سواء طمعا في امتيازاتها أو خوفا من غضبها. وهذا بالضبط هو حالنا اليوم وحال الذين لا زالوا يدافعون على المشاركة الحكومية، والذي يأتي الحبيب الطالب ليبحث لهم عن مسوغ نظري لتبرير ما يفعلون.

إن المفارقة الصارخة التي يسقط فيها هذا الأخير، أن يتكلم عن “برنامج مجتمعي نهضوي ” لاستنهاض القوى الشعبية وإعادة ارتباط القوى الاشتراكية بها”، ثم يعود في نفس الوقت ليرفض “تعليق كل المعضلة السياسية فيما آلت إليه الأوضاع الجماهيرية والحزبية إما على المشاركة الحكومية، وإما على طبيعة الدستور الجاري به العمل”. فعن أي استنهاض إذن نتحدث وعن أي تعبئة للجماهير، إذا لم يكن ذلك بالضبط في مواجهة هذه السياسة الحكومية الراهنة وفي مواجهة الدستور الحالي الذي ينزع كل الصلاحيات عن الحكومة؟ نعبأ بماذا، هل بالكلام فقط في المقرات والجرائد؟

أيتصور أحد أن تكون هناك فعلا تعبئة ما، بدون النزول إلى الشارع والاصطدام المباشر بجانب الفئات الجماهيرية المعنية مع السياسة الحكومية؟

هل  ينتج هذا عن عدم استيعاب حقيقي لمفهوم التوافق، أم أنه محاولة متعمدة لطمس الحقيقة عن المناضلين؟ كيف ننسى أن الملك لم يكن يوما لأن يقبل الجلوس مع القيادة الاتحادية للتفاوض أو للتوافق معها حول شيء ما، ما لم تكن الحركة الجماهيرية المدعمة للحزب في أوجها؟ ألم يكن توافق السبعينات  هو مجرد تحصيل حاصل لكل ما وقع في تلك الفترة من أحداث وانتفاضات فرضت على الدولة أن تبحث على مخرج لنفسها من ذلك؟ وألم يكن توافق التسعينات جوابا صريحا على المد النضالي النقابي الذي كان قد بدأ يتصاعد في تلك الفترة؟

فلماذا سيقبل الملك اليوم إذن، أن يجلس معنا للتفاوض حول دستور جديد “يستهدف الرقي بالتوافق الجاري إلى وضع مؤسسي ديمقراطي أكثر نجاعة وعصرنة” ويمنح “الحكومة  كهيئة دستورية مستقلة كامل صلاحياتها”؟ ما الذي سيرغمه على ذلك، وهو يعرف أننا لم نعد نمثل شيئا في المجتمع وأن رصيدنا النضالي والتاريخي السابق قد استنفذناه كليا ولم يعد يساوي أكثر من صفر في سوق السياسة؟

 ألا وعينا الحقيقة الجديدة: أن الملك هو الآن قد اختار نهجا آخرا لتحقيق سياسته، لا حاجة له بنا فيها، هو ما أسميناه بسياسة “تونسة” المغرب، أي تكفل الدولة مباشرة وبطريقتها الخاصة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المفترضة، بدون  الحاجة إلى صداع الرأس مع هذا الذي يسمى  “انتقال ديمقراطي”، أو إعطاء الاعتبار للفرقاء السياسيين الآخرين؟ أليس هذا  ما بالضبط ما يمكن أن نستخلصه مثلا من كلام فتح الله ولعلو، وهو يتكلم عن الوضع المحجوز للسياسة في بلادنا، وأليس نفس الشيء ما ذهب إليه الحبيب المالكي وهو ينتقد مثلا السياسة الاقتصادية للدولة من كونها لا تمتلك رؤية شمولية للتنمية وإنما فقط سياسات قطاعية مجزءة لا جامع بينها أحيانا؟ …   

  فكيف إذن نتوهم أننا سننجح في تعبئة ولو مواطن واحد أو إقناعه بحسن نوايانا بدون أن نكون مستعدين فعلا لتقديم الدليل الملموس على ذلك، وهو  أن نضطر لتقديم التضحيات اللازمة، إذا أردنا أن يعود للصوت الاتحادي واليساري مكانه ودوره في صنع السياسة بلادنا؟ هل كانت الحركة الجماهيرية التي التفت حولنا في السبعينات وفرضت التوافق، أن تقوم لها قائمة لولا دماء شهداءنا ومعاناة معتقلينا ومغتربينا؟ وهل كانت الحركة الجماهيرية التي منحتنا قوة للتفاوض في التسعينات ممكنة بدون تضحيات نقابيينا وشبابنا في الجامعات؟

فهل ننتظر أن نحظى مرة أخرى، بالتفاف جماهيري حولنا ونحن قاعدون في مقراتنا بدون أن نقدم مقابلا عن ذلك من التضحيات والمعاناة؟ بل هل يتصور أحد  أن يقبل مواطن حتى بالانصات إلينا عن كلام حول الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية …  ووزراءنا يظهرون “حنة أيديهم” في التلفزة ووسائل الإعلام في الدفاع عن المنجزات وعن السياسة الحكومية؟

 إنه الوهم بعينه أو تجاهل لتاريخ المغرب، أو بالأحرى هو ذلك المنطق الانتظاري والاستنكافي الذي تكلمنا عنه في البداية. منطق ينتظر الشروط الموضوعية أن تنضج من تلقاء نفسها حتى نتدخل نحن في السياسة. منطق ينتظر عصا هيجل السحرية أن تحرك المستبد العادل ليقوم بعملية التحديث وينتج شروط  اللحظة الليبرالية، أو الشروط الموضوعية للانتقال الديمقراطي نيابة عنا. منطق ومهما تخفى وراء الشعارات والمصطلحات الديمقراطية واليسارية، لن يكون نموذجه الأمثل من غير أشباه صدام في العراق أو بنعلي في تونس، أي تلك النماذج المزعومة للمستبد العادل.

حميد باجو

الدعوة إلى خلق جبهة يسارية موحدة

Posted 31 أكتوبر 2009 by gauches
Categories: دعوة

الدعوة إلى خلق جبهة يسارية موحدة

تحالف اليسار الديمقراطيدعا عدد من قياديي الأحزاب اليسارية مساء الجمعة بالرباط, إلى خلق جبهة يسارية مغربية موحدة تضطلع ب”دور فاعل “على الساحة السياسية الوطنية.

وأكد ممثلو خمسة أحزاب يسارية في مداخلاتهم خلال ندوة نظمها الحزب الاشتراكي الموحد حول موضوع (اليسار المغربي : مهام المرحلة وآفاق العمل الموحد), على ضرورة بلورة رؤية جديدة تتوخى بناء حركة يسارية موحدة من أجل الخروج من الأزمة التي تعيشها أحزاب اليسار حاليا.

عبد المجيد بوزوبعوفي هذا الإطار , استعرض السيد عبد المجيد بوزوبع , أمين عام الحزب الاشتراكي , عددا من مظاهر هذه الأزمة , والمتمثلة بالخصوص في غياب الديمقراطية الداخلية داخل هذه الأحزاب, وافتقادها للصلة مع الجماهير, إضافة إلى اعتمادها بالدرجة الأولى على العمل المناسباتي.

ودعا – للخروج من هذا الواقع- إلى فتح حوار واسع بين مكونات اليسار, وعقد لقاءات دورية لتطوير آليات العمل المشترك, وصياغة برنامج حد أدنى للعمل بين هذه المكونات, يعقبه خلق جبهة يتم التداول على رئاستها.

وفي هذا السياق , أكد السيد عبد السلام العزيز , أمين عام حزب المؤتمر الوطني الاتحادي , أن خروج اليسار من أزمته يرتكز على ثلاث خطوات تتمثل في إجراء قراءة لما وقع خلال العقدين الأخيرين, والتوصل إلى تشخيص موحد للواقع الحالي, ثم بلورة مشروع مجتمعي موحد.

عبد الرحمن بنعمروومن جهته, أبرز السيد عبد الرحمان بن عمر , نائب أمين عام حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي, أن طبيعة المرحلة الراهنة تقتضي “النضال في إطار برنامج محدد ” ينكب على الملفات والقضايا الكبرى المطروحة .

—————————————-

مداخلة الدكتور عبد المجيد بوزوبع الأمين العام  للحزب الاشتراكي في الندوة السياسية المنظمة من طرف الحزب الاشتراكي الموحد بمناسبة ذكرى اختطاف الشهيد المهدي بنبركة حول موضوع : “اليسار المغربي : مهام المرحلة وآفاق العمل الموحدنص المداخلة

دعوة للاجتماع

Posted 4 أكتوبر 2009 by gauches
Categories: دعوة

Tags:
Salut à tous
 
Une Réunion de l’Espace de gauche Casablanca est prévue pour jeudi 8 octobre 2009 à 19h au siège PSU  Rue d’Agadir
 
l’ordre du jour:
  • Bilan des activités passées;
  • Programme pour la période prochainne.
 
en rappelant  que  certaines activités ont  déja été programmées l’année dernière,  sans pouvoir les réaliser jusqu’à maintenant,
entre autres:
- Une rencontre nationale des militants étudiants;
- un débat  sur la question syndicale;
- un débat  sur la question féménine;
- sur la question réligieuse;
- sur la question amazigh;
- une rencontre entre les artistes et les militants de gauche  …. etc.
 
Prière à tous les membres de l’Espace ainsi qu’à tous les militants  de gauche qui veulent y participer d’assister à la réunion pour nous enrichir de leurs propositions.
 
Comité de suivi

فلنحي اليسار بالمزيد من التواضع النضالي و الحوار الهادئ

Posted 18 سبتمبر 2009 by gauches
Categories: رأي

أحمد دابا

منير بن صالح  

حي على اليسار

فلنحي اليسار بالمزيد من التواضع النضالي و الحوار الهادئ

نعتقد أنه لا يمكن أن نعزل هذا النداء نداءمن أجل صحوة اليسارّ  عن سياقه ، أو أن نعتبره مبادرة معزولة عن سلسلة من المبادرات المتصلة ومنها :

- ندوة مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حول “اليسار أمام انحسار المشروع الديموقرطي     

- نداء بوزنيقة الذي صدر عن فعاليات الجامعة الذي نظمه تيار فعل ديمقراطي / الحزب الاشتراكي

 الموحد ، والذي كان من نتائجه تأسيس فضاءات الحوار اليساري ومنها فضاء البيضاء للحواراليساري

 - النتائج السياسية  للمؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ( سنعود بتفصيل  لهذه النقطة في مكان أخر نظرا لأهميتها ) ، الحوارات والمناظرات والسجلات التي عرفتها الساحة السياسية والتي بادر لتنظيمها فضاء البيضاء للحوار اليساري وبعض فروع أحزاب اليسار المغربي

- مصادقة تحالف اليسار الديمقراطي ( الاشتراكي الموحد, المؤتمر, الطليعة ) على إمكانية توسيع التحالفات الانتخابية إلى باقي مكونات اليسار.

-  تأسيس العديد من تنسيقيات أحزاب اليسار في قضايا متعددة محلية ومنها مواجهة الفساد  خاصة في البيضاء ، أكدير، بني ملال ، مكناس ، مراكش ، المحمدية

- توصيات الملتقى الأول للشباب اليساري الذي نظمه فضاء البيضاء للحوار اليساري

- نداء المحمدية الذي كان لافتا دعوته للقيام بتشخيص موحد للمرحلة السياسية التي يمر منها المغرب والأهمية التي يكتسيها هذا الأمر في سياق صيرورة توحيد اليسار ، كذا دعوة النداء لإبلاء أهمية خاصة للفضاء اليساري المغاربي وكذا أهمية الاهتمام بالحركات الاجتماعية المغربية

-  مبادرة الحزب الاشتراكي الموحد الرامية لتأسيس فيدرالية أحزاب اليسار المغربي .

- مبادرات متعددة للترشيح المشترك بين أحزاب و التنسيق البعدي

- وأخيرا وليس أخيرا ” نداء من أجل صحوة اليسار ” ….

هذه المبادرات وغيرها من المبادرات اليسارية  لا يمكن أيضا أن نعزلها عن سياق سياسي عام ، أو عن مرحلة سياسية دخلها المغرب أو هو في طريقه للدخول إليها  ، كانت محطة انتخابات السابع من شتنبر من سنة 2007 اللحظة الحاسمة في الكشف عن طبيعتها ومميزاتها الرئيسية ، وما كانت كل المبادرات التي تبلورت ، أو تلك التي ستظهر في محطات أخرى إلا محاولات  للكشف عن ملامحها  و محاولة للتعاطي معها وتشخيص مميزاتها وعناصرها الرئيسية والحاسمة .

لقد كانت أغلب هذه المبادرات التي تستهدف إعادة بناء اليسار والدفع في اتجاه وحدته نتيجة ضغط وتدخل فاعل سياسي جديد ممثلا في : رأي عام ونواة تيار واسع من أطر وقواعد ومحيط واسع من متعاطفين  من أحزاب اليسار والحركة الديمقراطية ، ونواة هذا التيار الواسع يحاول اليوم أن ينتقل من حالة التعبير العفوي ، إلى حالة التعبير والفعل المنظم ونداء  من ” أجل صحوة اليسار ” جزء من هذه الصيرورة المفتوحة .

1 - أراء ملاحظات حول النداء :  

لنعد الآن للنداء بشكل خاص ، ثم فيما بعد  للورقة المصاحبة له  لندلي بالملاحظات التالية ، أملين أن تشكل هذه الملاحظات عنصرا محفزا لنقاش نريده أن يتسع ويتعمق .

” في أقل من عشر سنوات فقد اليسار وخصوصا حزب ” الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ” جزءا مهما من التأثير الذي كان له داخل المجتمع المغربي “  ،هذه الفقرة تلخص نقطة لقاء بين كل اليساريين – باستثناء طبعا اليساريين الذين لا زالوا يعتقدون أن لا شيء حدث والذين يستحلون إلقاء اللوم على الآخرين أو التموقع موقع المؤرخين بدل الفاعلين السياسيين – في تقييم أوضاع اليسار المغربي اليوم ، إن عشر سنوات كانت كافية للقول وبدون تحفظ أن اليسار سواء اليسار الحكومي ، أو اليسار المعارض فقد تأثيره على المجتمع ، هذا التشخيص الموضوعي والبارز اليوم بالعين المجردة لا يحتاج لإثباتات وحجج

أمامنا نتائج الانتخابات الأخيرة، أمامنا أوضاع الحركة النقابية وما تعرفه اليوم من تشتت ومن هيمنة للنزعات البيروقراطية وسقوط أغلبها ضحية هيمنة الزعيم الأمر والناهي ، أمامنا حالة الجامعة وغياب اليسار ، أمامنا تظاهرات وأنشطة اليسار بمختلف مكوناته والتي تعجز عن استقطاب أي اهتمام أو تأثير يذكر ، أمامنا أوضاع الحركات الاجتماعية وتواضع سقف مطالبها فيما هو حياتي بسيط  ودفاعي, و أمام غياب مبادرات فعالة لليسار و تصورات تتماشى مع مبادئه ( الحداثة – الديمقراطية – العدالة الاجتماعية ) ….

صحيح أن تقييم أوضاع اليسار والوقوف عند أسباب التراجع تختلف بين هذا المكون وذاك ، بين المكونات اليسارية  التي  شاركت في حكومة لا تتوفر على الصلاحيات الدستورية والسياسية الكافية ، وقبلت أن تستمر في حكومة ما بعد انتخابات 2002 رغم استبعادها من رئاساتها ، وقبلت مرة ثانية أن تشارك في حكومة ما بعد انتخابات 2007 بالرغم مما شاب تشكيلها من تدخلات وما أضيف لها من تكنوقراط أو ممن صبغوا بألوان سياسية وحزبية في مشهد دراماتيكي مهين ، وبين مكونات يسارية عارضت هذا المنحى لكنها عجزت عجزا واضحا أن تنجح رهاناته جماهيريا وسياسيا بسبب أخطأ سياسية وتنظيمية يطول شرحها . و السمة البارزة هي انحصار دور كل قوى اليسار, الحكومية و المعرضة بل و حتى شتات اليسار المتواجد خارج التنظيمات.

المحصلة أو الخلاصة السياسية البارزة بغض النظر عن التفاصيل – بالرغم من أهميتها فهي اليوم من الزاوية السياسية مجرد تفاصيل – هي : اليسار المغربي فقد جزءا مهما من  التأثير الذي كان له داخل   المجتمع في مقابل اشتداد وعود قوى النكوص المخزنية منها و الأصولية.

” نسب المشاركة الكارثية ونتائج الانتخابات التشريعية في 2007 ، ثم نتائج الانتخابات المحلية في 2009 هي أعراض لا يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها ، لكن الأخطر من ذلك أن اليسار المغربي ، بعد أن فقد كل تأثيره ، ما يزال مصرا على الاستمرار حتى لو فقد مقابل ذلك روحه “، إن الاستمرار هنا – في نظرنا – يعني أن اليسار لا زال مصرا على عدم الوضوح و الشجاعة ومباشرة التعاطي مع الدلالات السياسية والنتائج السياسية لما بعد السابع من شتنبر 2007. إن تراجع تأثير اليسار داخل المجتمع شيء ، لكن الإصرار على الاستمرار في نفس النهج والخط السياسي معناه الموت وفقدان الروح ، إن أزمة اليسار المغربي اليوم أزمة غير مسبوقة ويخطئ من يعتقد أو يظن أن الأزمة هي فقط أزمة نمو ، أو أزمة عابرة أو أن أسبابها محدودة وتقنية ولا تحتاج سوي ترميمات تنظيمية هنا وهناك ، أزمة اليسار اليوم هي جزء لا يتجزأ من الأزمة السياسية للبلاد التي تعني فشل المشروع الديمقراطي لحد الآن في أن يشق طريقه   ، وتعني  العودة ” المتجددة”  لنفس الأساس التأسيسي للديمقراطية الحقيقية في بلادنا  وليس مراكمة المكتسبات  أو تطويرها كما يعتقد البعض ، التأسيس للديمقراطية ومواجهة سؤال من يحكم في المغرب ؟ ،  وإن ظهر وكأنه إشكال  “قديمّ” أو “تقليدي” فإنه الإشكال الراهن والملح اليوم كما بالأمس و كما واجهه المؤسسيين الأوائل لليسار وللحركة الديمقراطية المغربية بكل شجاعة وبطموح جماعي قل نظيره  – ” وبرؤية حقيقية لمغرب المستقبل بعيدا عن كل حسابات صغيرة تغري بغياب هذه الرؤية المستقبلية لبلدنا ” .

اليسار مات …تعني أن اليسار كما مارس السياسة في العقد الأخير وكما يمارسها اليوم مات ، إنها وبدون أدنى خوف أو تردد دعوة قطيعة / أو بصيغة أدق دعوة قطائع لليسار مع  :

- الغموض في العلاقة مع الدولة ومع كل التواطؤات التي تفقد السياسة كنهها في كونها الحقيقة ، وفي كونها أيضا  وفي شروط بلادنا أساسا خدمة عمومية نبيلة ، وليس مجالا للتسلق الاجتماعي ومراكمة الامتيازات.   

- الغموض في العلاقة مع المجتمع ومع جماهيره الكادحة ، اليسار في المبتدأ والمنتهى صرخة ونضال ضد الظلم وضد التوزيع غير العادل للثروة ، وضد الحكرة وامتهان كرامة الإنسان و ضد أي استعمال بئيس لمقومات الأمة في التنافس السياسي .

- الغموض والتواطؤ مع اقتصاد الريع ومع الرشوة ومع الامتيازات  والفساد والانتصار بدون لبس وغموض لصالح عدالة ضريبية ” في خدمة التماسك الاجتماعي وليس في خدمة المستفيدين – عموديا وأفقيا – من اقتصاد الريع ومن الامتيازات .

- الغموض في الدفاع عن الحداثة والتقدم والرفع والإعلاء من قيمة العلم والمعرفة والتكوين، والتردد في الدفاع عن الحرية سواء كانت حريات فردية أو جماعية.

- الغموض في مناهضة الاستبداد أنئ كان مصدره وشكله  ، خاصة استبداد الدولة الذي له ثقل تاريخي كانت ولا زالت فيه الدولة مهيمنة على المجتمع ، يظهر فيه المجتمع كخادم  للدولة  بدل أن تكون هذه الأخيرة في خدمته ومؤممة لصالحه  ، أيضا  ليس هناك استبداد عادل واستبداد غير عادل ، الاستبداد في النهاية استبداد .

- الغموض في تقدير شكل التعامل مع ما يقدم كمبررات وأسباب لتعطيل الديمقراطية ، تارة باسم الخصوصية ، تارة باسم تحصين الجبهة الداخلية ، تارة باسم مواجهة خطر الأصولية  …. 

- الغموض في الهياكل التنظيمية وصلاحيات الأجهزة وتداخل الطابع المؤسساتي مع أمزجة الأفراد وأهواء القيادات .

- الغموض في مواجهة الازدواجية ( بين القول والفعل )  الذي يميز السلوك العملي  لليساريين ، بين ادعائهم الحداثة والديمقراطية وبين توغلهم في أشد الأشكال والمضامين المغرقة في التقليدانية والوعي المتأخر، في هذا المزيج والخليط في فكر وثقافة اليسار بين الانتصار للوعي الكوني والوعي المطابق  وبين هيمنة  النزعات الهوياتية والروابط ما قبل رابطة المواطنة وسيادة القانون .

” لنوقع هذا النداء لكي نبدأ نقاشا حقيقيا ولكي نؤلف أرضية إيديولوجية وسياسية لليسار ” : من المظاهر السلبية التي صاحبت تجربة اليسار في العقد الأخير تراجع مساحة الفكر والنقاش النظري وأصبحنا أمام سياسة سياسوية ، سياسة بدون مثل وبدون روح ، سلسلة من التكتيكات غير المتصلة وبدون أفق استراتيجي ، وحتى حينما تضطر قيادات أحزاب اليسار لفتح النقاش فيكون هدفها من ذلك امتصاص الغضب وليس إدخال خلاصات النقاش ضمن أجندة عملها السياسي والتنظيمي ، والنتيجة المباشرة لكل ذلك افتقاد العمل السياسي اليساري للبوصلة الموجهة .

 لا يمكن اليوم إلا أن نسجل أن فضاء النقاش والحوار السياسي  مفتقد وغائب في كل أحزاب اليسار المغربي ، بل إنه مفتقد في الفضاء العمومي   ، وأن هناك أكثر من حاجة لتوسيع خلق فضاءات حرة للحوار اليساري في أفق خلق تيار فكري سياسي ضاغط  و يخترق كل هذه الأحزاب ، تيار فكري سياسي يؤسس لأرضية سياسية موحدة لليسار وضاغطة في اتجاه وحدة تنظيماته وفعاليته  .

 2 -  نداء من أجل صحوة اليسار والاتحاد الاشتراكي

خصص النداء والورقة المصاحبة له  جزءا مهما من اهتمامه للاتحاد الاشتراكي ، واكتفى في معرض حديثه عن باقي مكونات اليسار للإشارة إليها بالتلميح دون أن يدخل في التفاصيل أو أن يذكرها بالاسم .

والواقع أن هناك أسباب موضوعية ضاغطة تفرض هذا الحضور لتجربة الاتحاد  ،ذلك  أن تجربة هذا الأخير كمكون أساسي في تجربة اليسار تفرض نفسها لفهم الأوضاع الصعبة التي يوجد عليها اليسار اليوم :

- لقد كانت سنة 1996 سنة حاسمة في الحياة السياسية المغربية عامة ، والحياة السياسية اليسارية خاصة ، ذلك أن تصويت الاتحاد الاشتراكي على الدستور بنعم ، شكل  تحولا حاسما في إستراتيجية التغير وأولويته داخل الحركة الديمقراطية ككل ، وكان تعيين عبدالرحمان اليوسفي وزيرا أولا في حكومة لم يتوفر لها السند  الدستوري  والسياسي  الكافي والصلاحيات الواسعة التي تمكنها من إنجاز ما ظلت تنادي به أحزاب اليسار ومنها الاتحاد الاشتراكي  طيلة سنوات المعارضة بكل تضحياتها وضرائبها الباهظة ، وكان من نتائج ذلك تفرق تنظيمات اليسار مللا ونحلا وانشقاقات وتشتت للحركة النقابية وانسحاب الاتحاد من ساحة الفعل الجماهيري ـ وتماهي هذا الأخير مع الحكومة التي كانت محكومة بأغلبية ضمت أحزاب إدارية ، ارتبطت في مخيلة وفي وجدان شعب اليسار كدروع مخزنية منفذة للتوجهات الدولة ، وبالحساب السياسي شكل كل ذلك تعديل جوهري في موازين القوى واختلال حاسم ضد جبهة اليسار مجتمعا . و رغم كل التراكمات الايجابية التي حققها المغرب خلال العشرية المنصرمة, لم تمر البلاد إلى القطيعة المرجوة مع أساليب الماضي, فانهزم اليسار بكل مكوناته و شعبه و انتصرت القوى النكوصية. 

- رغم التراجع الذي حدث بعد انتخابات 2002 ، وتخلي الدولة عن منح رئاسة الحكومة للاتحاد ، ورغم الخلاصات السياسية التي أعلنها اليوسفي سواء داخل الجهاز التقريري للاتحاد الاشتراكي ، أو في محاضرة بروكسيل الشهيرة ظل الاتحاد الاشتراكي مصرا على الاستمرار في التجربة ، وخاض نفس التجربة  بعد انتخابات 2007 بالشروط المعروفة التي تمت بها  ، وهو ما يبدو اليوم كإصرار على الموت وفقدان الروح وتحويل المشروع السياسي بكامله لصالح رهانات جوهرها وأساسها مزيد من الغموض والتواطؤ في العلاقة مع الدولة على وجه التحديد ، بكل ما يترتب على  ذلك من ضعف وتراجع في قاعدة شعب اليسار مجتمعا .

- يحتفل الاتحاد الاشتراكي, و معه اليسار المغربي, بالذكرى الخمسينية لتأسيس الحركة الاتحادية كحركة تجد جذورها  في الكفاح من اجل التحرر الوطني و تستمد مشروعيتها في كونها نبعت في قلب الشعب المغربي و حملت همومه و أحلامه. إن لهذا الإرث النضالي و المشروعية المجتمعية و التاريخية تكليفا من اجل استمرار الفكرة و الحلم اليساري الجميل.

3 نداء صحوة اليسار واليسار المعارض

بالرغم أن جزءا مهما من اليسار عارض وقاطع التصويت على دستور 1996 ، وعارض حكومة اليوسفي أو ساندها في بدايتها مساندة نقدية ، فإن هذا اليسار عجز أن يحافظ على قاعدة شعب اليسار

أو يقنع ولو جزءا يسيرا  من هذا المحيط الواسع بوجاهة تحليله ، ويحول هذا الاقتناع إلى تصويت لصالحه في مختلف الاستحقاقات التي عرفها المغرب .

 بل إن هذا اليسار يعيش هو الأخر أزمة حقيقية تتمثل في تأكل أغلب تنظيماته وتراجع إشعاعه وشح مبادراته السياسية .

لقد خاض هذا اليسار خاصة منه الحزب الاشتراكي الموحد عدة خطوات شكلت قطيعة تنظيمية بكل المقاييس ، فعوض التشتت والانشقاق حصل أكبر اندماج في تاريخ اليسار شمل خمس مكونات يسارية كما قاد هذا الحزب تجربة تنظيمية غير مسبوقة تمثلت في الإقرار بالعمل بآلية التيارات ، إلا أن كل ذلك تم على حساب نقاش إعادة بناء الرؤية والخط السياسي الذي باتت تفرضه التحولات السياسية والمجتمعية التي حدثت في العقدين الأخيرين ، بل إن هذا الحزب ونتيجة أخطأ في تدبيره السياسي وفهمه للتحالفات ضيع بالتدريج الموقع الذي كان يؤهله لكي يكون مبادرا وجسر التقاء لكل مكونات الحركة الديمقراطية المتشبثة بأولوية بناء دولة المؤسسات والحق والقانون كرافعة للتقدم والحداثة والتنمية الشاملة .

4 الخلاصة الماثلة أمامنا اليوم

- لم تتمكن الإستراتيجيتين في العمل اليساري المختلفتين أن تحدث الاختراق التي وعدت بهم ، لم تتمكن إستراتيجية التغيير من قلب الدولة أن تنجح ، وبدل أن نعيش موت المخزن ، نعيش اليوم بداية تلاشي وانحصار تأثير  اليسار في المجتمع ، مقابل نمو وهيمنة المخزن في كل مجالات الحياة السياسية  ، وتراجع الفاعلية السياسية والحزبية وتنامي دور التكنوقراط ، في نفس الآن لم تتمكن الإستراتيجية اليسارية التي عارضت التغيير من قلب الدولة ، وراهنت على المزاوجة بين النضال الجماهيري ، وبين النضال داخل المؤسسات ” المنتخبة ” ، وظهر بشكل لا لبس فيه أن تشتت وتشرذم اليسار والحركة الديمقراطية يضعف الجميع ، وأن عودة الأمل في التغيير وخوض النضال الذي تحتاجه هذه المهمة التاريخية الشاقة والممتدة في الزمن ، سيمر بالتأكيد عبر إعادة بناء هذه الحركة وتوحيدها وعبر وضوح رؤيتها ومشروعها المجتمعي ، وهو الأمر الذي سيحتاج تنامي ضغط تيار ديمقراطي واسع يخترق هذه الحركة ويدفعها لإنجاز هذا الهدف الضاغط .

5 النتائج السياسية للمؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي

نعتقد اليوم أنه لا ينبغي أن نبخس ما حدث داخل الاتحاد الاشتراكي بعد مؤتمره الثامن ، والذي لعبت في نتائجه عدة عوامل وجعلتها نتائج مفتوحة على المستقبل ، وعلى ما سينجز من طرف الديمقراطيات والديمقراطيين لإعطاء تلك النتائج مضمونها السياسي والتنظيمي العملي ، لقد كان تحقيق تلك النتائج نتيجة لتدخل عوامل من داخل حزب الاتحاد و من خارجه ، لقد كان للرأي العام ولشرائح شعب اليسار ولضغط جزء من قواعد وأطر اليسار وأساسا للتصويت العقابي الذي مارسه جمهور الاتحاد الاشتراكي أكبر التأثير فيما حدث :

- لقد خضعت مختلف مراحل تشكيل الأجهزة المقررة لمبدأ الانتخاب وهو الأمر الذي لا يمكن اليوم لأي كان أن يتراجع عنه ، لقد أصبح الإقرار بمبدأ التصويت مكسبا ثابتا هو في نهاية التحليل لصالح نجاح رهان عودة الاتحاد لقواته الشعبية ,

- لقد كانت النتائج السياسية وبالشكل الذي صيغت وقدمت به مفتوحة وستخضع للتأويل  ، كما أنها في نهاية الأمر ستفسر وتفعل من هدا  الطرف أو ذاك  بناءا على  تطور موازين القوى لصالح هذا الرأي أو ذاك ، لصالح من يريدون أن ينفتح الحزب يسارا أو أن ينفتح يمينا ، أن ينسج تحالفاته مع الإسلاميين أم مع الدولة ام مع أطراف أخرى ، ومن هذه الزاوية ينبغي تقييم ما أنجز وما ينبغي أن ينجز في اتجاه تقريب اليساريين ، والتقدم في الوصول لبلورة أرضية سياسية موحدة لليسار المغربي .

- سيكون إنجازا دالا وذا أبعاد تاريخية  أن يتقدم الاتحاد الاشتراكي في الإقرار بالية التيارات في عمله التنظيمي ، وهو الإنجاز الذي سيسهل كثيرا في إيجاد الأشكال القانونية والسياسية التي تسهل تجميع وتوحيد اليساريين بناءا على أرضيات سياسية وبرنامجية متعددة .

- في هذا الإطار ينبغي تقييم مختلف المبادرات الوحدوية التي تعرفها الحياة السياسية اليسارية ، ومنها مبادرة الحزب الاشتراكي الموحد الداعية لخلق فيدرالية أحزاب اليسار ، والتي ستخضع نفسها لدرجة التحول الذي سيحدث في موازين القوي ودرجة الضغط الذي سيخوضه اليساريات واليساريين المقتنعين بأهمية هدف وحدة اليسار كهدف داعم للنضال من أجل انتصار المشروع الديمقراطي الحداثي.

6 في انحصار “شعب اليسار”

“…  وتراني أحلم، مثلما يحلم كل مثقف حداثي، بمغرب حر، منسجم مع نفسه، متعلم، وديمقراطي، ومنفتح ومنتج وخلاق … ويغلب علي الاعتقاد، بتعذر أن يتحقق، كل ما أقول في مدة جيلين أو ثلاثة أجيال، وتراني أتساءل أحيانا، هل ترغب غالبية المغاربة حقا، في التغيير، أم تخشى أن تتكبد في سبيله التضحيات، وتبذل المجهودات الجسام، وتلاقي الاضطرابات الاجتماعية، فأتوب إلى صوابي…” هكذا يتساءل العروي و لنا أن نسائل شعب اليسار عن قدرتها على التضحية في سبيل التغيير عوض الاستقالة الجماعية للمثقف و لشعب اليسار من النقاش و النضال اليومي العمومي.

 7 قراءات عامة

 استحضارا لهذا البعد الوحدوي, على اليسار أن يصوغ برامجه و خطاباته, بشكل واضح و لغة شفافة و مفهومة و واقعية, لتتناسب و حاجة الطبقات الدنيا من المجتمع المغربي إلى العيش الكريم. اليسار ملزم بتأطير العمل النقابي كواجهة اجتماعية أساسية, ليس فقط من اجل الدفاع المباشر عن المأجورين و لكن لما يمكن لهذه الواجهة إن تساهم به في أفق تأهيل الاقتصاد الوطني و الرفع من إنتاجيته.

يدافع اليسار عن مبادئ إنسانية نبيلة : العدالة الاجتماعية و الديمقراطية والحداثة كمفاهيم مرتبطة و غير قابلة للفصل أو المساومة. و بالتالي يلتزم هذا اليسار على إشعاع هذه المبادئ وسط المجتمع و على جميع الأصعدة النضالية : القضية النسائية, ملفات الشغيلة, المطالب السياسية و المؤسساتية, …انطلاقا من قيمه المؤسسة و التي تنبني على الوضوح و الشجاعة السياسية و استحضار الطموح الجماعي.

إن التعابير الحية في الوطن و بكل نضج لحركيتها تبقى رهينة لمدى قدرتها على الضغط من اجل أن يتبنى أصحاب القرار قضاياها. و بالتالي فمن البديهي أن تكون للقوات الشعبية, في نضالاتها من اجل القيم المشتركة, تعبير أسمى. إن السياسة هي أسمى و أرقى تعبير نضالي لكونها تسمح بحمل كل الرؤى الفئوية و الموضوعاتية إلى حقل اتخاذ القرار.

إن القوات الشعبية هي في حاجة إلى اليسار كحركة وطنية تدافع عن القيم المشتركة معها و لها القدرة على استيعاب طموحاتها و التعبير عن مطالبها, انطلاقا من تحولها إلى مسهل حقيقي لنقاشاتها.