الإسلام السياسي المغربي والرأسمالية

اليزيد البركةمرت حوالي أربعون سنة تقريبا على بداية الخطاب الإسلامي السياسي المغربي ، والذي كان موجها ضد الاشتراكية والاشتراكيين في المغرب ، وهي بداية ليست عفوية إذ كانت مفبركة من دوائر النظام المغربي بالتعاون مع الأنظمة الرجعية ومع الدوائر الغربية لمواجهة المد التحرري في الشرق الأوسط شمال إفريقيا، وقد سقط عدد من الشهداء في مختلف البلدان التي كانت فيها القوى التقدمية والاشتراكية في الخندق الأول من الصراع ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية ، مثلا في لبنان ومصر والمغرب ، واستهدفت أيادي الغدر أسماء لها موقع هام في الفكر والإعلام والسياسة . في المغرب كان الشهيد عمر بنجلون هدفا مشتركا لقوى الإسلام السياسي الذي كان يتقوى بجرعات داخلية وخارجية ولقوى النظام التي ترفض جملة وتفصيلا التخلي عن مصالحها السياسية والاقتصادية.
وأمس الخميس 19 يناير كان الرأي العام المغربي على موعد مع برنامج أول حكومة مغربية يقودها الإسلام السياسي الذي بنى ذاته على الصراع مع الاشتراكية والحداثة وحقوق المرأة ، وحتى حقوق الإنسان بصفة عامة على أنها بضاعة غربية ، اختصر الموعد ذلك الزمن الطويل في لحظة قصيرة أمام البرلمان ليتلو فيها رئيس الحكومة برنامجه ، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما قارنت بين محطات كل ذلك الصراع وبين ما قدمه رئيس الحكومة من أهداف يرمي الوصول إليها. لقد كان صراعا فكري وسياسيا وحقوقيا ولا أقول اقتصاديا لأن الإسلام السياسي كان دائما مطالبا بالإفصاح عن النظرية الاقتصادية لهذا التوجه وعن أهدافه الأساسية الملموسة ، وكان يتهرب باستمرار، وحتى عندما يصرح بعض قادته بأن هناك اقتصاد إسلامي مستقل لا يستطيعون أن يعطوا شيئا عنه وفي أحسن الأحوال لا يخرجون عن الاقتصاد الرأسمالي. أربعون سنة من الصراع تم خلقه خلقا وعلى أسس وهمية تأكدت بعد اطلاع الشعب المغربي أمس على عناصر البرنامج المقدم . لقد كان رئيس الحكومة قادرا على تقديم بعض الفتات في الجانب الاقتصادي ولكنه لم يستطع، بل كان خنوعا للرأسمالية حتى النخاع ،أكثر من الرأسماليين أنفسهم ، ولعب في مربعها وسيلعب فيه حتى سنة 2016وكان هذا متوقعا عندما صوت العدالة والتنمية على الدستور بنعم وهو ينص على مبدأ الحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادي ولكن كان من المعتقد على نطاق واسع أنه قادر على أن يقدم شيئا من داخل هذا المبدأ تحفظ ماء الوجه، بعد أن كان كل الصراع النظري الذي خاضه العدالة والتنمية قائم على أنه قادر على تجاوز الرأسمالية وكل ما يطرحه الغرب وحتى ما تطرحه الاشتراكية وكان يعد بمجتمع الرفاهية .

كان الاشتراكيون المغاربة في صراع دائم مع الرأسمالية المتوحشة والمرنة إذا صح التعبير وفي أوربا ظهر الآن جليا بالكامل أن الاشتراكية الديمقراطية التي كانت تسعى إلى مجتمع الرفاهية من داخل الرأسمالية قد أخطأت خطأ فادحا وها هي جاءت أزمة تزحف على المنطقة لا تنفع معها لا أدوية الرأسمالية ولا أدوية الاشتراكية الديمقراطية ، فكيف يمكن للعدالة والتنمية التي يظهر أنها لا تفهم حتى كيف تشتغل القوانين الرأسمالية أن تنجح في ما أخفقت فيه الاشتراكية الديمقراطية التي تتوفر على أطر عالية واعية لأسس الرأسمالية وقوتها وضعفها؟
لننظر أولا إلى ما تقوله الاشتراكية التي صارعها الإسلام السياسي وخاصة العدالة والتنمية ولننظر إلى ما قاله كارل ماركس الذي كان يهاجم من خلال يهوديته حتى اطلعنا على برنامج الحكومة إذ جاء فيه “تعزيز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات” .قفزة من موقع إلى موقع آخر بدون مقدمات إلا ما دخل في حكم الزيارات والتلميحات التي دشن بها رئيس الحكومة مشوارا إعلاميا لكل الأطياف المخالفة والمتوجسة من مستقبل المغرب.
في بداية كتاب نقد برنامج غوتا لكارل ماركس الذي مر على صياغته 137 سنة سطر أهم عنصر في بنية المجتمع المادية منها والفكرية ، وهذا العنصر أشار إليه البيان الشيوعي أيضا بعض طرحه لسؤال من يملك ومن لا يملك ؟ وأكد على أهمية الملكية وشكلها.
كان ماركس يتهكم على العبارة الواردة في برنامج غوتا لحزب العمال الألماني الذي كان فيه عضوا جاء فيها:”العمل مصدر كل ثروة وكل ثقافة ” كان رده قويا وساخرا جاء فيه : “إن العمل ليس مصدر كل ثروة. فالطبيعة هي مصدر القيم الاستعمالية (التي هي بالضبط تؤلف الثروة المادية !) …وهذه الجملة …تعثرون عليها في جميع كتب الألف باء، ولا تصح إلا بقدر ما تعني أن العمل يجري عند توافر الأشياء والأدوات المناسبة. ولكنه لا يجوز لبرنامج اشتراكي أن يحتوي مثل هذه التعابير والجمل البرجوازية التي تلزم الصمت حول الشروط التي وحدها تستطيع أن تعطيها معنى. فان عمل الإنسان لن يصبح مصدر القيم الاستعمالية، وبالتالي مصدر الثروة، الا شرط ان يسلك، منذ البدء، سلوك المالك إزاء الطبيعة، إزاء هذا المصدر الأول لجميع وسائل العمل ومواد العمل، شرط أن يعاملها كأنها شيء يخصه. إن للبرجوازيين أسبابا وجيهة جدا لكي ينسبوا إلى العمل هذه القوة الخلاقة الفائقة الطبيعة ؛ إذ ينجم من كون العمل مشروطا بالطبيعة، أن الإنسان الذي لا يملك غير قوة عمله، يصبح بالضرورة، مهما كانت أحواله الاجتماعية والثقافية، عبد الذين وضعوا أيديهم على شروط العمل المادية. فلا يستطيع أن يعمل، وبالتالي أن يعيش، إلا بإذن هؤلاء”
يستنتج من هذا الكلام أن أي مشروع يدعي أصحابه أنهم يسعون من خلاله إلى مشروع مجتمعي جديد أن يحللوا طبيعة الملكية ويبينوا من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها ؟ ونتيجة لهذا التحليل أن يتصدوا للملكية إذا كانت ملكية استغلالية تجعل من لا يملك عبيدا عند الذين يملكون لفك أغلال هذا الاستغلال ، لتصبح الملكية ملكية عامة لوسائل الإنتاج ، وهذه الملكية مختلفة عن التأميم الذي ليس إلا خطوة أولى بواسطة الدولة ولأن التأميم وحده يؤدي كما ثبت هذا في التجارب الاشتراكية إلى رأسمالية الدولة ، وفي الحقيقة التعبير الصحيح والذي لا يترك أي لبس هو تعبير الملكية المجتمعية لوسائل الإنتاج وليس العامة. وهذا هو السبيل الوحيد للقضاء على كل الاختلالات في المجتمع بما فيه ما يتعلق بالبطالة والفقر لا طريق خفض نسبة البطالة إلى 8 في المائة في أفق 2016.
عندما ارتفعت حناجر الشباب المغربي ل20 فبراير مطالبة بمحاربة الفساد لا يقصدون فقط وضع آليات لمحاربته مستقبلا بل يقصدون أيضا محاربته الآن ومحاربة ما مضى منه ؟ وهذا هو ما يطرح مسألة الملكية لوسائل الإنتاج . هذا هو أهم عنصر في الاشتراكية وعليه تبنى كل العناصر الأخرى.وفي حقيقة الأمر محاربة الإسلام السياسي للاشتراكية ناتج بالأساس من عدائها للمس بالملكية القائمة .
إذن الحكومة المغربية جاءت إلى البرلمان لتطلب التصويت عليها متضامنة مع الملاكين العقاريين والرأسماليين الكبار في الصناعة والسياحة والصيد البحري والطاقة والمعادن والأبناك ، والزراعة” المضي قدما في تفعيل المغرب الأخضر” كما جاء في البرنامج على نفس الملكية الحالية، ومتضامنة باختصار مع كل الذين راكموا الثروات وامتلكوها بالغصب والنهب والسطو القانوني وغير القانوني . ومواجهة الفساد لا يعني في البرنامج إلا المزيد من وضع الآليات والقوانين للحد منه مستقبلا وحث الأجهزة القائمة على المحاسبة من الاضطلاع بمهامها للتصدي لأساليب وأشكال الفساد لا إحداث مراجعة في ما راكمه الفساد والتصدي للملكية وتطبيق شعار من أين لك هذا؟ الذي كان مرفوعا قبل أن يولد الإسلام السياسي بعد أن حل الاستعمار الجديد محل القديم ؟
لقد اختار البرنامج أن يتقوقع داخل الرأسمالية ، فهل استطاع أن يلعب فيها لعب الحاذق والمطلع على الهوامش التي تسمح بها بدون المساس بأسس الرأسمالية ؟ في الحقيقة ، لا . كيف يمكن ذلك والعدالة والتنمية في فكره النظري يجهل قوانين الرأسمالية جهلا تاما . وكمثال بسيط هو اعتبار إعلامه وبعض قادته الفائدة البنكية ربا ، إذ لم يستطع أن يدرك أن الفائدة تختلف عن الربا في ثلاثة أوجه أساسية : 1- أن أي مجتمع تسيطر فيه الرأسمالية تفرض فيه هذه الأخيرة قوانين اقتصادية تعمل باستقلالية وتتحكم في رقبة الاقتصاد وأي خدش يصيب قانون ما ينقل العدوى إلى قطاعات واسعة منه أو إليه برمته أي أن الفائدة تحافظ على سعرها بتوازن في علاقة مع توازنات أخرى وإلا تهدم كل شيء، فإذا زيد في سعر الفائدة إلى حد أقصى أو تم الخفض منها تتأثر كل القوانين والمجالات . على عكس قوانين مجتمعات الاقتصاد البسيط فأحرى مجتمعات قائمة على التجارة البعيدة وعلى الغزو والإغارة حيث أن هذه الأخيرة لا تتأثر بأي خلل يصيب الربا وقد يصل سره إلى 400 في المائة وأكثر ولا يحدث شيئا بل رفعه مطلوب لأن الهدف من الربا ليس هو تنشيط الاقتصاد كما في الرأسمالية وإنما الوصول إلى الاستعباد .2- أن مجتمعات الرأسمالية تقوم على إنتاج فائض قيمة ولهذا فكل القوانين الرأسمالية تعمل من أجل الحفاظ على تطوير وتنمية هذا الفائض بينما الربا يزيد من قوى الانتاج في الرعي وعمل البيت الذي يقوم به العبيد 3- أن الإنسان في الرأسمالية حصل على الحرية ولم تعد العبودية إحدى الأهداف التي تحققها الفائدة القديمة ( الربا) كما جاء في تاجر البندقية ( قطع رطل من اللحم دون أن تسقط نقطة من الدم) ولكن كل هم الفائدة هو توسيع الرأسمالية في البداية ثم الحفاظ على تأثير قوانينها وتوطيدها فيما بعد .
جهل قانون الفائدة وكيف يعمل وعلاقته بكل القوانين الرأسمالية في الاستثمار والادخار والأسعار والتضخم وغيرها جعل الحكومة في برنامجها تبتعد حتى عن البحث في سعر الفائدة. وعن الأجور وكان العدالة والتنمية قد وعد برفع الحد الأدنى للأجور إلى 3000 درهم
في حقيقة الأمر لم تقدم الحكومة برنامجا بمعنى الكلمة وإنما هو جرد للفصول الدستورية في الحريات والحقوق بما فيها ما يتعلق بالمرأة ، ولتلك التي ما تزال في حاجة إلى إصدار قوانين تنظيمية وكانت تكفي جملة واحدة في البرنامج تقول : ” والحكومة المغربية التي ستعمل في نطاق الدستور ستنكب عاجلا على تحضير القوانين التنظيمية لعدد من المجالس وغيرها من المجالات التي تم التنصيص عليه”، فهل الحكومة حقا عندما كانت تضع البرنامج كان على الطاولة ملفات عن حالة المغرب الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والسياسية .. أم أن ما كان على الطاولة هو نص الدستور؟
ما يدفع إلى الاعتقاد بأن ما كان تحت أنظار الحكومة هو نص الدستور هو الإحساس بأن الحكومة لم تنطلق من تصور عام للقضايا التي تحيط بالاقتصاد المغربي وتخنقه، وفي مقدمة ذلك قضية الديون الخارجية ، ولا إشارة واحد ة ليس فقط الإشارة إلى التفاوض من أجل الإعفاء بل حتى الإشارة إلى تخفيض الدين أو تأجيل التأدية لمدة معقولة مع العلم أن الامبريالية في وضع حرج سياسيا وهي تحضر حكومات الإسلام السياسي السلفي لحشرها في إستراتيجية مواجهة إيران والإسلام السياسي الشيعي، وكان على العدالة والتنمية أن يسطر الكثير في برنامجه من العراقيل الاقتصادية التي تحد من انطلاق الاقتصاد المغربي والتي سببها شجع الرأسمالية والتأكيد على أن الحكومة ستتفاوض مع الدوائر الرأسمالية على رفع هذه العراقيل أو التخفيف منها على الأقل وحتى إن لم تنجح الحكومة في التفاوض فإنها ستخلق تربة لائقة للتهرب من حشر المغرب في استراتيجية امبريالية لا منفعة فيها للشعب المغربي ، ولكن من سبق له أن كان مخلب قط في يد الامبريالية لمحاربة حركات التحرر لا يمكن إلا أن يعاود نفس الكرة علها تغدق عليه من أفضالها,
النقطة الثانية الغائبة هي التراجع عن الخوصصة ، إن ربط المسؤولية بالمحاسبة جاء متأخرا إذ أن كل ذلك مرتبط أساسا بالاقتصاد والتشديد على أساسا ذلك أن الجزء الأكبر من مؤسسات الدولة تمت خوصصتها والبرنامج لم يشر إلى ما تمت خوصصته وهل ستعمل الحكومة على استرجاعه ولا إلى ما يعد للخوصصة منذ مدة وهل ستوقف قطاره ؟ إن ثروات المغرب الإستراتيجية المخوصصة كانت قطارا قويا يمكن أن ينهض بكل عربات الاقتصاد الأخرى، واليوم نتكلم عن المسؤولية والمحاسبة في مجال ضيق جدا.
النقطة الثالثة هي ما يتعلق بالاستثمار الفعلي في كل المجالات إذ أن الرأي العام قلق مما يجري في أوروبا من تجمع لعناصر أزمة اقتصادية كبيرة والبرنامج لم يستشف منه أي شئ يدل على أن هذا العنصر حاضر لدى الحكومة هل سيتوقف الاستثمار الأجنبي ؟ هل المغرب قادر على استقبال المغاربة المقيمين بالخارج إذا ما قرروا العودة؟ ، هل ستتأثر السياحة ؟، هل هناك مشاريع مشتركة يمكن أن تتضرر ؟ لا شئ يمكن استخلاصه لأن البرنامج عبارة عن فصول دستورية دبج بلغة إنشائية ، ولم ينطلق من القدرة على فعل شئ ما، بل من رغبة في ترضية قطاعات تغلي وتفور، فهل نجح البرنامج في هذا ؟ لا أعتقد لأن الإنشاء ملته تلك القطاعات على مدى عقود من الزمن . وكان الطريق الصحيح هو إظهار ما يتوفر عليه المغرب من عناصر القوة وما هي الإكراهات وعرض ذلك بكل شفافية، في هذه الحالة فقط يمكن للشعب الغاضب والقانط أن يسمع .
النقطة الرابعة هي قضية المرأة التي جاءت في البرنامج مبتورة عن تصور مبني على نظرة علمية لها وذلك لسببين الأول يتعلق بمنهج الانطلاق من نصوص الدستور، إذ أم هذا الأخير لا يمكنه إلا أن يقدم بنود قانونية لا رؤية نظرية . الثاني يتعلق بالنظرة الذكورية المتمثل في معاداة النوع نظرة تطبع الحكومة المغربية بالكامل رغم توفرها على امرأة واحدة ولكنها تتبنى نفس النظرة . إن للمرأة نظرا لتراكم التاريخ خصوصية جعلتها في رتبة متدنية وتابعة حقوقيا واقتصاديا وعدم الوعي بهذا يؤدي إلى السقوط في أخطاء . أشار البرنامج إلى الاقتصاد القروي وإلى أراضي الجموع ولكن لا يمكن أن تستفيد المرأة من هذا إلا من خلال الانطلاق من النوع الذي لم يرد بتاتا بأي شكل من الأشكال في برنامج الحكومة لأنه بالنسب لفهمه البسيط والساذج الذي لقنه لهم فقهاء الخليج أن النوع هو المساواة المثلية وترهات أخرى لا حصر لها. والبرنامج كلما تناول نقطة ما ذات طبيعة اجتماعية أو اقتصادية إلا وأنهاها بعبارة “خاصة الشباب” وعندما يتكلم عن المرأة في الميدان والاقتصادي والاجتماعي يتكلم فقط عن الولادة والصحة أو يتكلم عن الأسرة أو عن الأسرة التي ربها امرأة وكأن الحكومة بذلك عالجت القضية من منظور شامل بينما الأسرة معطى والمرأة معطى ولا يمكن دمجهما في شئ واحد وإن تتداخلا في زمن معين .

المكتب السياسي والأمانة العامة الجديدان بالحزب الاشتراكي الموحد

مشاكل نهر ملوية

الوضع الراهن وأسئلة اليسار

(مضمون عرض قدم بفرع الحزب – الاتحاد الاشتراكي – بأسفي)

حميد باجو

ونحن نحيي ذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون، لابد وأن نستحضر فكره في إطار البحث عن أجوبة لبعض الأسئلة التي تشغلنا حاليا ومنها ثلاثة على الأقل:
• سؤال وحدة اليسار، باعتبار أن عمر بنجلون يعتبره أغلب اليساريين خاصة من الحركة الاتحادية مرجعهم ، وبالتالي قد يصلح فكره كقاعدة لإطلاق عملية تجميع اليسار
• سؤال علاقتنا بالإسلاميين، باعتبار أن عمر كان أول من تصدى لهم وقدم روحه كثمن على ذلك
• ثم سؤال التنظيم، باعتباره كان أول من فكر بطريقة جدية في هذا الموضوع حين صياغته للمذكرة التنظيمية
أما عن مضمون العرض، فإنه لا يمكن فهم ما يجري في بلادنا أو منطقتنا من دون استيعاب التحولات التي تحدث عالميا. نحن نشاهد الآن تحولا عميقا في موازين القوى عالميا، وذلك منذ سقوط جدار برلين قبل أكثر من 20 سنة. فبعد أن انتهت مرحلة التقاطب الثنائي لمرحلة الحرب الباردة، سارعت الولايات المتحدة لأن تحتكر القرار العالمي لوحدها، كما تجلى ذلك بالخصوص في سياسات بوش الأب والإبن الخارجية. لكن لم يعه هؤلاء آنذاك، أن الثقل الاقتصادي في العالم كان قد بدأ ينتقل من محور المحيط الأطلسي إلى محور المحيط الهادئ، وأن قوى اقتصادية جديدة هي في طور الصعود في جنوب شرق أسيا من حول اليابان والصين والهند. وهذا التحول الاقتصادي الذي يعني حرمان الدول الغربية من جزء من فائض الإنتاج الذي كانت تستحوذ عليه بسبب هيمنتها سابقا على العالم كما يفسر ذلك مثلا سمير أمين، لصالح الدول الصاعدة الجديدة، هو ما يفسر الأزمات التي صارت تضرب مؤخرا دول الغرب وتفرض عليها إعادة تكييف مستويات عيشها مع وضعها الاقتصادي الحقيقي.
هذا التحول في الاقتصاد صاحبه تحول في موازين القوى السياسية والثقافية لصالح دول آسيا، وبالتالي تقلص قدرة الولايات المتحدة ودول أوروبا على التحكم لوحدها في القرار العالمي، ووعيها بضرورة إشراك قوى أخرى جديدة، وذلك ما ترجمه وصول أوباما إلى السلطة وسياسته الجديدة في المنطقة الإسلامية بالخصوص.
في هذا السياق إذن يجب وضع التحولات الأخيرة في منطقتنا، مع الإشارة هنا أن التحولات الديمقراطية كان من المفترض أن تنطلق في هذه الأخيرة منذ التسعينات من القرن الماضي في تزامن مع انطلاقها في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. لكن هناك معطيات خاصة بالمنطقة جعلت تلك التحولات تتعثر لأكثر من عقدين من الزمن: أول تلك المعيقات، تصاعد المد الأصولي الذي أطلقته الثورة الخمينية منذ سنة 1979 مدعوما بالبترودولار الخليجي بعد الفورة النفطية. وفي مواجهة الخطر الأصولي عمدت الدول الغربية وفي حرص منها على حماية إسرائيل من جهة وحماية مصادر البترول من جهة ثانية، إلى دعم الأنظمة الديكتاتورية بالمنطقة، ليكون أكبر ضحية من كل ذلك هي القوى الديمقراطية واليسارية بالمنطقة التي تم التخلي عنها، ومعها كل المشروع الديمقراطي.
غير أن التحولات الأخيرة في النظام العالمي ساعدت في إحداث فجوة في الحصار المزدوج المضروب على الشعوب العربية. إذ أمام الخيارين المفروضين على الشعوب العربية: النموذج الأصولي الذي تبشر به إيران الخمينية أو النموذج الديكتاتوري الذي يحميه الغرب، برز النموذج الأسيوي بتعدد تجاربه كطريق ثالث يمكن أن يخرج المنطقة من الباب المسدود.
بجانب ذلك أن الحركات الإسلامية وبعد عدة محاولات فاشلة آخرها محاولة إقامة “إمارة” إسلامية بغزة من طرف حماس، قد وصلت هي نفسها إلى الطريق المسدود.
وأخيرا هناك العامل الثالث المتمثل في التحولات الديمغرافية والاجتماعية العميقة التي دخلتها شعوب المنطقة، كما يحلل ذلك الباحث الديمغرافي إيمانويل طود، والمتمثلة في تراجع نسبة الخصوبة وتقلص قاعدة الهرم السكاني لصالح وسطه وتزايد نسب التمدن والتعليم والتحول في وضعية المرأة.
كان أول نموذج انفتح أمام الشعوب الإسلامية خارج النماذج الغربية التقليدية المرفوضة من طرف شريحة كبيرة من المجتمع، هو ما حققته دول إسلامية من جنوب شرق آسيا وعلى رأسها ماليزيا وإندونيسيا، بحيث لأول مرة تصل دولة إسلامية إلى مراتب اقتصادية جد متقدمة في النظام العالمي، وهو ما أقنع النخب العربية، وعكس العديد من النظريات القادمة من الغرب، بإمكانية تحقيق النمو الاقتصادي بدون التخلي عن القيم الإسلامية المحلية.
النموذج الثاني الذي استلهمت منه أيضا هذه النخب، هو ما ظهر من خلال تجربة العدالة والتنمية في تركيا، حيث ظهر أنه من الممكن التوفيق بين النموذج الديمقراطي في الحكم وبين القيم الإسلامية، وذلك ما سهل إمكانية التلاقي بين الإسلاميين من جهة واليساريين والديمقراطيين من جهة ثانية حول نموذج مشترك. وهو التفاهم الذي سمح للطرفين أن ينزلا يدا في يد إلى الشارع للاحتجاج في إطار ما عرف بالربيع العربي، ضد الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة.
في إطار هذا السياق العربي والعالمي، يمكن إذن مقاربة الوضع الراهن في المغرب.
من أهم سمات هذا الوضع، أن المغرب وبعد المرحلة السياسية التي قطعها منذ سنة 1996، قد دخل منعطفا جديدا في حياته السياسية بعد 20 فبراير وبعد الدستور الجديد. مع الإشارة أن مؤشرات هذا المنعطف كانت قد بدأت تظهر منذ استحقاقات 2007. إن ما يميز هذه المرحلة الجديدة، هو بالخصوص تحويل جزء من صلاحيات الملك لصالح الحكومة والبرلمان، ووصول طرف من الإسلاميين إلى السلطة، وأخيرا سقوط حاجز الخوف الذي كان يكبل التحركات الشعبية.
وبناء عليه فإن ما أصبح مطروحا على اليسار عموما والاتحاد الاشتراكي خصوصا، قد نلخصه في ثلاث رهانات أو واجهات أساسية لخوض معاركه، أو ما نسميه ثلاث معارضات لكل واحدة منها آلياتها وحقلها ورجالاتها كما نساءها.
• المعارضة الأولى هي في مواجهة قلب الدولة نفسه، أي المؤسسة الملكية لتحريرها مما تبقى من الجهاز المخزني. وما يبرر ذلك أن الدستور الحالي لا زال يحتفظ بسلطات واسعة للملك، ولا زلنا نعيش في ظل ملكية نصف تنفيذية أو بعبارة أخرى أن مطلب الملكية البرلمانية لم يتحقق بعد. ونحن في هذا المجال نلتقي مع أرضية حركة 20 فبراير، ولذلك يكون ميدان خوض هذه المعركة هو الشارع بجانب هذه الحركة الأخيرة.
غير أنه في اعتقادنا إذا كان مطلب تغيير الدستور الحالي قد لا يكون على رأس أولوياتنا حاليا، فإنه يجب أن يبقى حاضرا كأفق لنضالنا والمؤطر بشكل عام لكل تحركاتنا، في انتظار أن نهيئ الشروط لذلك بعد ولاية تشريعية أو ولايتين وبعد أن ندفع إلى استنفاذ كل إمكانيات الدستور الحالي.
• المعارضة الثانية، هي في مواجهة الحكومة باعتبارها تمتلك الجزء الآخر من الصلاحيات الدستورية. وهي قد تتوزع بدورها على ثلاث مستويات:
• المستوى السياسي المتعلق بالدفاع عن التأويل الديمقراطي للدستور. فمن واجب اليسار أن يقف حازما أمام أي تراجع في هذا المجال (ألقي هذا العرض قبل إثارة مشكلة حالة التنافي في انتخاب رئاسة البرلمان). ولعل مواجهتنا الكبرى مع الحكومة ستكون في حالة قبولها مثلا بوزارات للسيادة.
• مستوى ثان متعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا المجال، إذا كنا قد نساند حكومة بنكيران في أي جهد لها لمواجهة اقتصاد الريع والفساد، وأن نقف معها في أي ما قد يحفظ ويحقق مطالب الفئات المتضررة من شعبنا، علينا أن نبقى حذرين اتجاه نمط التدبير الاقتصادي الذي ستنهجه.
في هذا المجال علينا أن ننتبه بالخصوص ليس إلى الوعود التي تضمنها برنامج العدالة والتنمية أو أحزاب الأغلبية الأخرى، فالوعود تبقى مجرد وعود، ولكن أن نتساءل بالخصوص كيف ستتدبر الحكومة أمر الموارد المالية الضرورية لذلك. فبتتبعنا لما يصرح به على هذا المستوى يبدو أنه هناك رهان للحكومة على أربعة أنواع من موارد التمويل:
• أن تراهن على ربح نقط إضافية (تقدر الآن بنصف نقطة في نسبة النمو السنوية) من خلال تخليق السياسة الاقتصادية الحالية. وهذا ما قد يترجم عمليا، بنية الحكومة بالإضافة إلى فرض الشفافية في المعاملات، وهو أمر وإن كان محبذا في حد ذاته لن يوفر موارد إضافية، أن تعمد إلى التقليص من النفقات العمومية أو ما ستسميه بسياسة الترشيد. غير أنه ومن خلال تجربة الحكومات السابقة ستجد في طريقها مقاومات بيروقراطية ومصلحية قوية في مختلف الإدارات العمومية سيؤدي الاصطدام بها إلى خلق مشاكل لن تكون على بال الحكومة. من الجهة الأخرى أيضا، قد تفكر الحكومة في الزيادة أو على الأقل إلغاء بعض الإعفاءات الضريبية، وفي هذه الحالة وبالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية حتى عند العدالة والتنمية بشأن هذه الإشكالية، ستجد الحكومة أمامها لوبيات اقتصادية قوية وقادرة على تعطيل كل مبادرة في هذا الاتجاه حتى بتسخير لبعض الأطراف من مكونات الأغلبية نفسها.
• أن تلجأ الحكومة إلى الوصفة التي تبدو الأكثر سهولة، وهي الرفع من عجز الميزانية من معدل 3 في المائة الحالية إلى 5 في المائة لتمويل مشاريعها. أي لجوءها إلى الوصفة الكينيزية التقليدية. غير أنه ومن خلال تجارب مختلف الدول حاليا، أن هذه الوصفة لم تعد ذات أي نفع في ظل الانفتاح الاقتصادي العالمي المفروض على دول العالم، وذلك لأن أي مس بالتوازن الموازناتي الحالي قد ينتج عنه ارتفاع في نسبة التضخم، وما يتبعه أوتوماتيكيا من هروب الاستثمار الأجنبي الذي يعول عليه المغرب بشكل قوي لتمويل سياسته التنموية.
• المورد الثالث الذي قد تفكر فيه الحكومة هو الالتجاء إلى القروض الأجنبية، باعتبار أن نسبة المديونية الحالية التي تقارب 55 في المائة من الناتج الداخلي هي نسبة معقولة لحد الآن ولا زالت تسمح بهامش لتحرك الحكومة على هذا المستوى. غير أن الخطر الكامن أنه في حالة الجمع بين الزيادة في عجز الميزانية والزيادة في المديونية، قد يجد المغرب نفسه بعد سنوات قليلة في نفس وضعية الإفلاس التي تعيشها اليونان مثلا حاليا.
• المورد الرابع، قد يكون ما يسمونه توظيف بعض الآليات المالية البديلة، والتي هي ليست غير الأبناك والمؤسسات المالية المسماة “إسلامية”، بدعوى أن هناك أموال متوفرة بكثرة في دول الخليج تنتظر فقط الآليات المناسبة لتستثمر في المغرب. غير أنه في اعتقادنا أن الرأسمال ومهما كانت جنسيته يبقى همه الأول والأخير هو تحقيق الربح، سواء عبر صيغة المصارفة العزيزة على الإسلاميين أو عبر صيغة الفوائد، لذلك أن ما قد يحفز الخليجيين للاستثمار في المغرب هو مدى دينامية الاقتصاد المغربي قبل أي شيء آخر. بالإضافة إلى ذلك أنه وفي ظل الطلب العالمي المتزايد حاليا على فائض الأموال عند دول الخليج، قد تعمد هذه الأخيرة إلى فرض عدد من الشروط ذات الطابع الثقافي أكثر منها اقتصادي، كفرض بعض مظاهر التأسلم ، أو ما قد نسميه بخطر “خلجنة” المجتمع المغربي.
أي باختصار أن ما قد نخشاه من نمط التدبير الاقتصادي للحكومة المقبلة، بالإضافة إلى احتمال عجزها عن حل الملفات العالقة المرتبطة بمحاربة الفساد الاقتصادي أو بالمطالب الاجتماعية، أن تدفع التوازنات الاقتصادية الكبرى إلى مزيد من الهشاشة وبالتالي تعريض الاقتصاد المغربي إلى خطر الإفلاس، هذا من جهة ومن جهة أخرى، أن تضطر تحت ضغط ابتزازات الرأسمال الخليجي إلى تقديم المزيد من التنازلات “الإيديولوجية” وبالتالي تدعيم الهيمنة الثقافية الأصولية على المجتمع المغربي، كما هو حادث الآن للمجتمع المصري.
المعارضة الثالثة، التي علينا أن نخوضها كيسار، هي معارضة من طبيعة ثقافية، وهي موجهة بالدرجة الأولى نحو المجتمع. ففي إطار الشعار الذي نرفعه دائما: من أجل يسار للدولة ويسار للمجتمع، وإذا كانت المعارضتان السابقتان تدخلان في إطار تقوية يسار الدولة، فإن يسار للمجتمع يعني أن نخوض مواجهة مفتوحة ضد الهيمنة الثقافية للقيم التقليدانية والأصولية التي فرضت على المجتمع المغربي خاصة، خلال العقدين الأخيرين.
على اليسار أن يتعبأ للدفاع عن قيم الحداثة والعقلانية والتعددية والانفتاح والحريات….، ليس في مواجهة الدولة فقط ولكن في مواجهة باقي المكونات الأخرى داخل الجامعة والمدرسة والإعلام والمساجد والشارع …، وأن يكون المثقفون والفنانون هم جنود الصف الأمامي مدعومين باليسار وبكل الديمقراطيين. فلم يعد من حقنا بعد الآن أن نمارس التقية ولا أن نجامل أحدا في المس بالقيم أعلاه. وحتى ما يسمونه بالهوية الإسلامية للمجتمع، فنحن لحسن حظنا قد أصبحنا جد مطلعين على غنى التراث الإسلامي وتعدد مكوناته، على عكس حالنا مثلا حين خوضنا معركة مدونة الأسرة، وبالتالي لن نقبل أن تكون القراءة السلفية والإخوانية هي التي تحدد لوحدها مضمون ومعنى هذه الهوية.
إن هذه هي الواجهات أو المعارضات الثلاث، التي علينا أن نخوضها، كل بحسب آلياتها ومناضليها، وبشكل تكاملي بينها: معارضة في الشارع مع ح 20 فبراير لمحاربة الفساد واستكمال مطلب الملكية البرلمانية، ومعارضة في المؤسسات لفرض التأويل الديمقراطي للدستور، ومعارضة على الواجهة الثقافية لمحاربة الثقافة التقليدانية والأصولية.
وبطبيعة الحال أن كل ذلك يفترض أولا إعادة بناء ذاتنا وبالخصوص بناء الحزب اليساري الكبير.
حميد باجو

عن أية إنتخابات تتحدثون؟ وعن أي إصلاح ؟ !! !

 مثلما كانت نغمة الخطابات السياسية بالأمس في عهد الديمقراطية الحسنية نشازا بإيقاعات صاخبة أغلب الأحيان أطلقت عنانها بسياسية الحكرة و التهميش والبؤس والقمع ، اليوم نفس الحالة خطابات زائفة مليئة بالنفاق السياسي غير واقعية أسقطت فيها الدولة المغربية رغباتها على الواقع مما عكس والى حد بعيد قصورها على تقديم الاجابات لتطلعات المغاربة نحو الديمقراطية والكرامة و العدالة وبدا جليا منذ البداية تخبطها في تقييم الوضع الميداني والسياسي حيث اخذ بعض متحدثوها يقدمون تحليلات وتوقعات خيالية للموقف على الأرض، يحاولون فرض نظرية الاستثناء مستبعدين كل ما حدث على الخريطة العربية وبالخصوص المغاربية و كأننا في كوكب آخر ، يحاولون بشتى الطرق الهروب الى غد مجهول خوفا من الغليان الشعبي الذي يتنامى يوما بعد يوم و يحاولون أيضا فرض رؤية عمودية على الوطن أن التغيير و الحداثة هي الإرادة الحقيقية للقصر و أنه أبدى نيته في طي صفحة الماضي من خلال الالتزام بتعهداته في تصفبة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان , وأن دينامية العشرية الاولى شهدت ورش سياسي كبير يضم جملة من المبادرات- الفوقية – في مجال حقوق الانسان والتنمية والديمقراطية التي خلصت الى تعديل الدستورطبعا دون المساس بجوهر الحكم أي دون التخلي عن الصفة القداسة المسماة بإمارة المؤمنين و دون التنازل عن السيادة ، إنها سيل من الخطابات الغوغائية للحاكمين على البلاد المليئة بالكذب والعبث و الاهانة للشعب وكل من يخالفاها الرأي هو خائن للوطن والحقيقة أن هذا رأي يستفيد منه المخزن حتى النخاع و يستغل الأوضاع الاستبدادية القائمة فيختبئون وراء نظرية المؤامرة التي يفسرون بها كل شيء وهي وصفة جاهزة باستمرار تعبر عن كسل في الدماغ لأن أمثال هؤلاء لا يكلفون نفسهم عناء فهم ما يجري بأدوات تحليلية تختلف عما ألفوه من “وصفات رسمية ” أنتجتها أبواق المخزن وعملت على ترويجها بشكل واسع و أضحت تبدو لهم تفسيرا أوحد لا شريك له تماما مثل الطغاة الذين يؤمنون بألوهيتهم وقداستهم حتى ويعتبرون واجب الطاعة لهم معطى ابديا لا يمكن كسره إذن تأتي هذه الانتخابات في ظل ظرفية عامة تتميز بتنامي الحركة الجماهيرية التي تجتاح الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية والمغاربية والمغرب أيضا. حيث نهضت الجماهير لأخذ مصيرها بين أيديها والمطالبة بالديمقراطية والعيش الكريم، عبر النضال في الشوارع وفي كل أماكن تواجدها. وليس تنظيم هذه الانتخابات سوى محاولة من طرف النظام المخزني إلى توجيه هذه الحركية الجماهيرية نحو قنوات انتخابية آمنة، والالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب المغربي، ولربما كانت ورقة الانتخابات آخر ورقة يلعبها النظام المخزني لامتصاص غضب الشارع ومعه تأثير الثورات العربية إقليميا وهي إحدى الإجابات التي اعتمدها بعد سلسلة إجراءات أهمها التعديل الدستوري في مواجهة مطالب حركة 20 فبراير التي واظبت على مسيراتها الاحتجاجية سواء منها الوطنية أو المحلية طوال 9 أشهر بالتمام والكمال ، اليوم أصبح التظاهر هي لغة الجماهير في مخاطبة نظام الحكم ، يواجهون بكل حزم وثبات كل أنواع العنف والقمع والتزوير والتآمر والمكائد السياسية بما اكتسبت من ثقة في النفس بعد المعارك البطولية التي خاضتها لمدة شهور متتالية وهو ما ستفعله اتجاه ما سيقوم به الحكام وأعوانهم السياسيين والطبقيين في استخدامه لضمان أن يأتي البرلمان القادم كما يريدون : برلمان إجهاض انتفاضة الشعب . فقد قررت حركة 20 فبراير و التيارات المكافحة الى جانب الشعب مقاطعة هذه الانتخابات، وإصرارها مواصلة النضال إلى جانب شباب التغيير والجماهير الكادحة من اجل الديمقراطية وإسقاط الاستبداد. ودحض سيناريو التسويق الخارجي لدى المنتظم الدولي على حساب آلام المغاربة من أجل تلميع واجهة النظام الخارجية ونيل الثقة من الإدارة الامبريالية بأن المغرب مختلف تماما عن الآخرين غير متأثر بالحراك الشعبي بل تفاعل الحكم مع الشعب وهذا أساسه كله من اجل ضمان استمرار العرش فالمهام جسيمة جدا ملقاة علينا جميعا من أجل إنقاذ الوطن من أيدي الطغاة و المستبدين وردع المفسدون وكل طقوسهم والاعيبهم ودهاليزهم لاسيما أنهم يؤمنون بانهم طبقة مختارة لن يعتل خيولهم سوى من يروق لهم ويختارونه بانفسهم كالماسونية تماما لها طقوسها لمن يلج قبورها و حظائرها، يقاتلون حتى الرمق الاخير دفاعا عن فسادهم الذي جمعوه، من هنا نرى الاجابة لماذا يقاتلون حتى الموت في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها؟! وبكل الوسائل ، لافرق عندهم فالغاية تبرر الوسيلة ، فادركوا ان التغيير مهمة صعبة وجهاد مر فمسؤوليتنا عظمى أمام شهدائنا من أجل مغرب الكرامة و الحرية و العدالة ومقاطعة الانتخابات هي كسر لكل الاوهام و الترهات الفارغة و نهاية مرحلة العبيد وفزاعة المخزن و هي بدابة نصر عظيم للشعب المغربي الحر .

خالد بلقايدي – مدريد